‫العمال والعاملات والثورات العربية‬

 نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 30, 2012

تتابع السيروة الثورية مسارها في دول الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا على الرغم من عثرات ومحاولات لدول إقليمية ودولية للحد أهداف شعوب المنطقة على صعيد المطالب بإرساء حكم ديمقراطي أو تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. في هذا الإطار من المفيد الإشارة إلى أن نضال العمال والعاملات في هذه الثورات غالبا ما يهمل، كما أن عمق تأثير المسألة الاجتماعية في اندلاع هذه الثورات هو بالتأكيد ما يتم تجاهله في وسائل الإعلام الغربية والإقليمية. جاءت الثورات الشعبية هذه، بعد أزمة مالية واقتصادية عالمية، وهي أيضا ثورة بوجه السياسات النيوليبرالية المفروضة من الأنظمة التسلطية، والمشجَعة من قبل المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.‬
‫الإجراءات النيوليبرالية أدت إلى تفكيك وإضعاف متزايد للخدمات العامة في هذه البلاد، وتقليص الإعانات، خاصة تلك المتعلقة بالحاجات الغذائية الأساسية، وتسريع عملية الخصخصة، وغالبا لصالح الطبقة الحاكمة والبرجوازية المرتبطة بالسلطة السياسية.‬
‫هذه السياسات النيوليبرالية أفقرت فئات واسعة من المجتمع. وكان الطلاب والطالبات والعمال والعاملات الأكثر تتضررا. هم وهن من يتصدر حاليا المظاهرات الاحتجاجية.‬
‫في تونس، غالبا ما لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا محوريا في معارضة الأنظمة التسلطية، على الرغم من إضعافه بفعل تمازج عدة عوامل، كخصخصة الخدمات العامة، وفي بعض الأوقات عقد تسويات بين قيادة الاتحاد والنظام.
عام ٢٠٠٨، شكل قياديون من الاتحاد العام التونسي للشغل جزءا أساسيا في انتفاضة عمال المناجم في منطقة قفصة. كما دعموا هذا الحراك لمدة عام كامل.
شهدت مصر خلال العقد المنصرم أوسع حركة احتجاج اجتماعي منذ الحرب العالمية الثانية، عبر الإضرابات واحتلال قطاعات إقتصادية واسعة. فالإضرابات في معامل المحلة الكبرى، عام ٢٠٠٨، حيث شارك فيه العاملون والعاملات والناشطين والناشطات جنبا إلى جنب، عاد وتكرر كثيرا قبل عام ٢٠١١. ويدل ذلك على عزيمة الحركة العمالية على الرغم من حملة القمع التي شنتها القوى الأمنية.
لعبت الحركة النقابية والعمالية دورا مهما في الثورات، وخاصة في تونس ومصر. فالإضراب العام المعلن في ١١ كانون الثاني في تونس والإضراب العام الذي عم كل أنحاء مصر كانا حاسمين في إسقاط ديكتاتورَي البلدين.
حتى شهر كانون الثاني من هذا العام تأسست ٣٠٠ نقابة مستقلة (تضم أكثر من مليوني عامل وعاملة)، أنشئت جميعها عقب إسقاط مبارك. احتلال أماكن العمل والإضرابات، ومشاركة العمال والعاملات في العديد من المظاهرات لم تتوقف منذ عام، تظهر فعالية دور العمال والعاملات في الثورة. جرى تأميم العديد من المؤسسات، بطريقة شبه سرية، فعادت ملكية هذه
المؤسسات إلى الدولة بعد سلسلة إضرابات عمالية.
في تونس، كان حراك الاتحاد العام التونسي للشغل حول القضايا الاجتماعية والديمقراطية دافعا للتضييق عليه من قبل الحكومة الخاضعة لسيطرة حزب النهضة. الأخير كرر عدة مرات، منذ إسقاط بن علي، أن المطالب الاقتصادية- الاجتماعية تحركها الثورة المضادة واتهم الاتحاد العام بأنه المسؤول عن الأزمة الاقتصادية في البلاد بسبب حراكه ومطالباته.
في مصر، غالبا ما تعرض العمال والعاملات لهجوم النخبة الحاكمة، وخاصة المجلس العسكري، وحليفته حركة الإخوان المسلمين. وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة قانونا يجرم الإضرابات، الاحتجاجات، المظاهرات والاحتلالات التي تؤثر في الاقتصاد. حركة الإخوان المسلمين أيدت هذا القانون.
في بقية الدول كان حراك العمال مهما منذ وقت طويل.
ففي سوريا، ومنذ عام ٢٠٠٦، تراجع مستوى المعيشة لأغلب الشعب، وبالإضافة إلى القمع السياسي، الذي أطلق موجة احتجاجات، غالبا حول المسألة الاقتصادية. في أيار من العام ٢٠٠٦، تظاهر المئات من عمال شركة البناء العامة في دمشق، حيث اشتبكوا مع القوى الأمنية، وفي نفس الوقت نفذ سائقو سيارات الأجرة إضرابا في حلب.
نجاح الإضرابات العامة والعصيان المدني في سوريا خلال شهر كانون الأول من عام ٢٠١١ التي شلت أجزاء واسعة من البلاد تثبت أن حراك الطبقة العاملة والمستغَلين هو في صلب الثورة السورية. لهذا السبب، طرد الديكتاتور أكثر من ٨٥ ألف عامل بين كانون الثاني ٢٠١١ وشباط ٢٠١٢، وأغلق ١٨٧ مصنعا (بحسب الأرقام الرسمية)، وذلك بهدف ضرب دينامية الحركة الاحتجاجية.
الحركة النقابية في البحرين كانت العصب الأساسي في الحراك ضد النظام الديكتاتوري، في وقت صدرت أحكام قضت بسجن العديد من القيادات النقابية لمدة طويلة بسبب مشاركتهم الفاعلة في الحركة الاحتجاجية. وذلك عقب الإضراب الذي دعت إليه مجموعة من النقابات فتسبب بشلل عام في البلاد في ١٤ آذار الماضي، فتدخلت القوات السعودية بطلب من القوى الأمنية في البحرين بهدف قمع الحركة الشعبية. في تشرين الثاني من العام ٢٠١١، طرد أكثر من ٣٠٠٠ عامل في القطاعين العام والخاص بسبب مشاركتهم في التظاهرات الشعبية. وكانت القيادات النقابية عرضة للاعتقال ولقمع السلطة. إصرار العمال والعاملات في البحرين لم يتوقف لا بل لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.
يوم العمال والعاملات العالمي يجب أن يذكرنا بطابعه الأممي، وبالتالي بضرورة التضامن مع رفاقنا في هذه السيرورة الثورية! يتميز الاحتفال بهذا اليوم براهنيته بوجه الهجمات النيوليبرالية ضد عمال وعاملات العالم. هذا اليوم يذكرنا بالدور المحوري للطبقة العاملة في الدفاع عن مجتمع تقدمي ومتحرر من الاستغلال.
عاشت الثورة الدائمة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s