‫سوريا: فهم طبيعة النطام والسيرورة الثورية‬

‫سوريا: فهم طبيعة النطام والسيرورة الثورية‬

نشر في‫:‬الخميس, ايار 31, 20129
عن صفحة أسبوع غرافيتي الحرية- سوريا على الفايسبوك

السيروة الثورية في سوريا ومنذ بدايتها استقبلت بحذر من قبل بعض اليسار وحتى أنهم فصلوها عن مسار الثورات في بقية دول المنطقة، واتهمت بكونها مؤامرة يديها الغرب والدول الرجعية كالسعودية. هذا المسار استمر للأسف على الرغم من إجرام النظام. ومنهم من رفض فقط التدخل العسكري الخارجي، لكنه رفضوا أيضا دعم الثورة. معارضة التدخل العسكري الخارجي في سوريا ليس كافيا. مثل هذه المواقف لا معنى لها عندما لا تترافق مع دعم واضح وقوي للثورة السورية.‬
‫هذه المواقف تظهر ضعفا في الفهم والتحليل، أولا، لسياسات وطبيعة النظام، وثانيا، لديناميكيات الثورة.‬

‫طبيعة النظام‬
‫ثلاث مجموعات رئيسية تشكل دعما أساسيا للنظام: المؤسسة العسكرية والأمنية، البرجوازية ورجال الدين الأساسيين في كل الطوائف.‬

‫راكمت القيادة العسكرية من استفادتها منذ وصولها إلى السلطة مع حافظ الأسد عام ١٩٧٠ حيث شجعت على الفساد على نطاق واسع خاصة للمسؤولين عن القوات المسلحة والحكومة كل ذلك كان مقابل الحصول على الولاء. حالة الفساد المعممة هذه أصبحت مصدرا ماليا أساسيا للدائرة المحيطة بالديكتاتور وعائلته ومساعديه الأكثر ولاء له.‬

‫”الطبقة” الجديدة المرتبطة عضويا بالدولة استثمرت أرباحها في مختلف قطاعات الاقتصاد. وساهم المرسوم رقم ١٠ الصادر عام ١٩٩١ لهذه المجموعة بالانطلاق ل”غسل” أموالها. حيث سمح بالاستثمار للقطاع الخاص وحرر عملية التصدير والاستيراد لكن تحت سيطرة الدولة، ساهم ذلك بإثرائهم واستمرار نظام الفساد الشامل. شهدت التسعينيات ظهور توسع “الطبقة الجديدة” للمتنعمين|البراجزة الجدد الناتجة عن اندماج البيروقراطية مع الناجين من البرجوازية القديمة، “البرجوازية الخاصة”.‬

‫مسار الخصخصة سمح بنشوء احتكارات جديدة مسيطر عليها من أقارب بشار الأسد، في وقت تراجعت فيه جودة السلع والخدمات. سمحت هذه الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية بالاستيلاء على الاقتصاد لصالح الأقوياء والأغنياء. ومسار خصخصة المؤسسات العامة كان لصالح قلة من الأفراد على صلة وثيقة بالنظام. في الوقت عينه، نما القطاع المالي عن طريق مجموعة من البنوك الخاصة، شركات التأمين، بورصة دمشق ومكاتب الصيرفة.‬

‫أرضت السياسة النيوليبرالية الطبقة البرجوازية والمستثمرين الأجانب، خاصة من دول الخليج العربي، ومن خلال تحرير الاقتصاد السوري وعلى حساب الغالبية العظمى من السوريين زادت نسب التضخم وارتفعت تكاليف المعيشة. بالإضافة إلى ذلك، تراجع القطاع العام والزراعي بسبب عدم وجود استراتيجية فعالة لتعزيزهما، الأمر الذي يهدد استقلال البلاد الغذائي وسيضر بالسكان بسبب الارتفاع المستمر في أسعار السلع الغذائية وغير الغذائية الأساسية.‬

‫الركيزة الأساسية الأخرى الداعمة النظام هم رؤساء مختلف الطوائف، الذين دعموا النظام طوال الأعوام الماضية وخاصة منذ بدء الثورة. النظام السوري والأجهزة الأمنية أقاموا علاقات سياسة واقتصادية مع المؤسسات الدينية، خاصة مع الطائفة السنية في أعقاب القمع في الثمانينات. ويقدم النظام الفعاليات الدينية كجهة فاعلة في “المجتمع المدني السوري” أمام الوفود الأجنبية التي تزور البلاد.‬

‫وكان سلوك طوال الأعوام البلاد الماضية متناقضا مع الصورة العلمانية للبلد. وكثيرا ما استعملت وتستعمل المفردات الدينية في الخطاب الديني، كل ذلك إلى جانب تزايد بناء المواقع الدينية من الثمانينات وحتى اليوم. وترافق ذلك مع إجراءات رقابية على على الكتب الأدبية والأعمال الفنية، في وقت انتشر الترويج لمؤلفات دينية تعبوية على رفوف المكتبات وتزايدت أسلمة التعليم العالي. خاصة في مجال العلوم الإنسانية، عبر الإحالة إلى مراجع دينية لكل الظواهر العلمية، الاجتماعية والثقافية. بني أكثر من عشرة آلاف مسجدا ومئات المدارس الدينية. وعقد أكثر من ٢٠٠ مؤتمرا يرأسها رجال دين في المراكز الثقافية في المدن الأساسية خلال عام ٢٠٠٧.‬

‫في الوقت نفسه، عزز نظام التقسيم الطائفي. وبني الجيش بحسب معايير طائفية للحفاظ على ولائهم. وفي حين أن أغلبية المجندين هم من السنة بحسب تعدادهم السكاني، يشكل العلويون النسبة الكبرى من الرتباء والضباط.‬

‫مع ذلك، فإن النظام فوق كل ذلك قائم على الزبائنية، الذي يجد دعما، إلى جانب دعم الأجهزة الأمنية، من البرجوازية السنية والمسيحية في حلب ودمشق، التي استفادت من السياسات النيوليبرالية في السنوات الأخيرة. والنظام بنى شبكة من الولاءات من خلال علاقات مختلفة، وخاصة اقتصادية، مع أفراد من مختلف الطوائف كما رأينا أعلاه.‬

‫نظام مناهض للإمبريالية يواجه إسرائيل والغرب؟‬
‫ولطالما صور النظام السوري أنه مناهض للإمبريالية من خلال دعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين لسنوات عديدة، وأطلق رموزه مواقف خطابية قوية جدا في معارضة إسرائيل. ولكن هذه المواقف لا تقوم على المبادئ المناهضة للإمبريالية، وإنما على المصالح الوطنية. والأخيرة هي لضمان أمن واستمرارية النظام، فضلا عن توازن القوى في المفاوضات الدبلوماسية مع اسرائيل لاستعادة منطقة الجولان التي المحتلة منذ عام ١٩٦٧. ‬

‫في الواقع، لقد تعاون النظام مع الحكومات الإمبريالية الغربية في مناسبات عديدة. فهو الذي رفض لمساعدة الفلسطينيين والجماعات التقدمية الأردنية لإسقاط الحكم الهاشمي في الأردن المحافظ خلال الانتفاضة الشعبية في عام ١٩٧٠، والتي عرفت باسم أيلول الأسود. وهو النظام عينه الذي سحق الفلسطينيين والحركة الوطنية في لبنان عام ١٩٧٦ مع قبول ضمني من الغرب، ووضع حدا للثورة، كما شارك في الحرب الإمبريالية على العراق عام ١٩٩١ مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وشارك في الحرب على الارهاب التي شنها الرئيس جورج دبليو بوش من خلال التنسيق في المجال الأمني. كما دعت إسرائيل عدة مرات الولايات المتحدة لتخفيف الضغط على النظام السوري الذي لم يطلق النار رصاصة واحدة على الجيش الإسرائيلي في مرتفعات الجولان المحتلة منذ عام ١٩٧٣. ‬

‫سوريا لم ترد على الهجمات المباشرة على أراضيها التي شنتها إسرائيل على نطاق واسع، بما في ذلك الغارة الجوية التي استهدفت عام ٢٠٠٧ ما يعتقد بأنه مفاعل نووي أو حتى اغتيال عماد مغنية. كما شاركت في عدة جولات لمحادثات السلام، وكان آخرها في عام ٢٠٠٨. على الرغم من أن هذه المحادثات لم تصل إلى اتفاق، وأدى فشلها المتكرر إلى نتائج أسوأ من استمرار الفتور. ‬

‫وقد أعلن المسؤولون السوريون مرارا وتكرارا عن استعدادهم توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل فور انسحاب الأخيرة من الجولان، لكنهم لم يقولوا شيئا عن القضية الفلسطينية. ‬

‫رامي مخلوف، ابن خالة الرئيس بشار الأسد، أعلن في حزيران ٢٠١١ أنه إذا مس باستقرار سوريا، لن تنعم إسرائيل بأي استقرار، وأضاف، لا أحد يستطيع ضمان ما سوف يحدث في حال التعرض للنظام السوري. ونتيجة لذلك، يمكننا أن نفهم قبول إسرائيل بالوضع الراهن في ظل النظام السوري الحالي. ‬

‫اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يدركون جيدا موقف النظام من قضيتهم فتتزايد مشاركتهم في الثورة إلى جانب إخوانهم السوريين. كما تعرضوا لقمع النظام، وسقط منهم أكثر من ٤٠ شهيدا ومئات المعتقلين على يد الأجهزة الأمنية السورية. وتضاعفت التحركات التضامنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأراضي ٤٨ مع الثورة السورية خلال الأشهر الماضية.‬

الحركة الشعبية
‫تمتد الثورة في مناطق مختلفة من سوريا وخاصة في إدلب ودرعا وحمص وكذلك في المناطق الريفية الأخرى، بما في ذلك ضواحي دمشق وحلب، وتبين مشاركة هائلة للمسحوقين في هذه الثورة. ‬

‫يشكل الجزء الأكبر من المتظاهرين في الحراك الثوري السوري من العمال المحرومين اقتصاديا في المناطق الريفية والمدينية، والطبقات الوسطى الذين عانوا من فرض السياسات النيوليبرالية التي بدأ بشار الاسد منذ وصوله إلى السلطة باعتمادها. نجاح الإضرابات العامة والعصيان المدني في سوريا منذ كانون الأول ٢٠١١ فسببت شللا اقتصاديا للبلاد وأظهرت فعالية الطبقة العاملة والمستغلين الذين يشكلون قلب الثورة السورية ونبضها. لذلك قام النظام الديكتاتوري بطرد أكثر من ٨٥٠٠٠ عامل خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني ٢٠١١ حتى شباط ٢٠١٢، وأغلق ١٨٧ مصنعا (بحسب الأرقام الرسمية). ‬
‫ ‬
‫وتدهور مستوى معيشة غالبية السوريين، فإلى جانب القمع السياسي، حيث نظمت احتجاجات منذ عام ٢٠٠٦. ففي شهر أيار من العام ٢٠٠٦، نظم مئات العمال في شركة المباني العامة في دمشق مظاهرة جابهته قوات الامن بالقمع. في حمص، قمعت الشرطة المتظاهرين الذين كانوا يحتجون على هدم المنازل الفقراء. وازدادت التقارير اعتبارا من عام ٢٠٠٧ التي تدل على أن الناس يعيشون في فقر شديد، فازداد عدد الذين لا يستطيعون الحصول على احتياجاتهم الغذائية الأساسية والاحتياجات الأخرى غير الغذائية، إلى مليونين. و يعيش حوالي ٦٢ ٪ من الفقراء في المناطق الريفية ويعانون من انعدام الأمن الغذائي أو هم عرضة لذلك. ‬

‫في عام ٢٠٠٧، وقعت عدة اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في مناطق مختلفة في سوريا مثل المصرانية في حلب، في حي المزرعة في حمص، والروضة في دمشق. في عام ٢٠٠٨، نظمت مظاهرات من قبل العاملين في مرفأ اللاذقية، والدهبية والزبداني قرب دمشق. في عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠، واجه النظام الاحتجاجات، وحتى بداية الثورة العام المنصرم. حيث تزايدت الفروقات الطبقية وعدم المساواة خلال السنوات القليلة الماضية. ‬

‫قبل الثورة، ارتفعت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر من ١١ ٪ عام ٢٠٠٠ إلى ٣٣ ٪ في عام ٢٠١٠. هذا يعني، أن حوالي ٧ مليون سوري يعيش حول خط الفقر. ويتزايد معدل البطالة باستمرار، وتتراوح نسبة البطالة بين ٢٠ إلى ٢٥ ٪، وتصل إلى ٥٥ ٪ بالنسبة للأشخاص الذين هم تحت سن ٢٥ سنة، في بلد تبلغ نسبة الشباب تحت سن ٣٠ أكثر من ٦٥ ٪ من مجموع السكان. وكان سوق العمل غير قادر على استيعاب الناس الباحثين عن عمل في كل سنة البالغ عددهم ٣٨٠٠٠٠ شخص الذين ينضمون إلى صفوف العاطلين عن العمل، في حين وعدت الحكومة خلق ٢٥٠٠٠٠ وظيفة سنويا في الخطة العشرية، التي تبين أنها غير قادرة على تنفيذها. وبالإضافة إلى ذلك، اعتمد قانون جديد للعمل في سوريا في نيسان عام ٢٠١٠، حيث فضل أصحاب العمل بشكل واضح على العمال. ‬

‫أنصار النظام السوري وبعض أحزاب اليسار يرفضون دعم الثورة السورية التي تعتبر ثورة المضطهدين والمستغلين من سوريا، ويعتبرونها مجرد وسيلة للسعودية ولسياسة الولايات المتحدة الأمبريالية. في الوقت نفسه يدافعون عن النظام أو يرفضون اتخاذ موقف ضد النظام المتعاون مع الإمبريالية الغربية وحامي إسرائيل، والذي يعتمد سياسة نيوليبرالية لصالح نخبة اقتصادية التي هي أبعد ما تكون عن العلمانية، والمعتمد على المؤسسة الدينية الفاسدة. ‬

‫خاتمة ‬
‫وكان وزير خارجية اسرائيل، أفيغدور ليبرمان، مصيبا عندما قال بأن مرحلة ما بعد ثورة مصر هي أكبر تهديد لإسرائيل من إيران، ويمكن أن ينطبق ذلك أيضا على سوريا. فدولة، حرة، تقدمية، ديمقراطية ومستقلة حقا، في كل من مصر وسوريا هي أكثر خطرا على دولة الفصل العنصري الصهيونية من النظام السوري القمعي والجمهورية الإسلامية. ‬

‫الثورة السورية هي جزء من الثورات التي تعم العالم العربي، ويجب عدم فصلها عن هذا المسار. الشعب السوري يكافح مثل التونسيين والمصريين والبحرينيين وغيرهم من الديمقراطيين والاشتراكيين والمناهضين للإمبريالية في المنطقة. ‬

‫الشعب السوري شعب ثائر ومعاد حقيقي للإمبريالية، وليس نظام بشار الأسد. الشعب السوري هو الذي رحب بالفلسطينيين، واللاجئين اللبنانيين والعراقيين عندما تعرضوا لهجوم واحتلال إمبريالي إسرائيلي وأميركي. انتصار الثورة السورية سيفتح جبهة مقاومة جديدة ضد القوى الإمبريالية، في حين إن هزيمتها سيؤدي إلى تعزيزها.‬
‫عاشت الثورة السورية!‬

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s