‫إلى لاجئ سوري‬

http://www.al-manshour.org/node/2922 : ‫   نشر في

وليد ضو : كاتب

شهور عدة مرت على بدء الثورة الشعبية ضد النظام في سوريا، وهي ثورة استلهمت الحركة الثورية الممتدة في العالم العربي، إضافة إلى مختلف أنحاء العالم، وهي ثورة تهز سكونا طغى على العالم وتزعزعه، وإذا كانت السياسات النيوليبرالية قد سارت جنبا إلى جنب مع تآكل مساحة الحريات بمختلف أشكالها، إضافة إلى تقلص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالسياسات النيوليبرالية ترافقت في سوريا، وفي العالم العربي مع أنظمة استبدادية إجرامية ومافياوية.‬

‫والمسيرات السلمية التي انطلقت في سوريا لم ترق للنظام “الأبدي”‬، والأخير سرعان ما أغرق البلد ببحر من الدماء تهجر جراء ذلك الآلاف من السوريين داخل سوريا وخارجها، ويكرر مؤيدو النظام عبارات قيلت في الحرب الأهلية اللبنانية، مثل تحويل مدينة داريا أو مخيم الرمل الجنوبي (على سبيل المثال) إلى حديقة عامة.

هذا الفكر الإجرامي لا ينحصر بسوريا فقط إنما يمكن رؤية وسماع أفعال وأقوال لا تقل سوءا عن ذلك، فإضافة إلى الحرب الأهلية اللبنانية وما أفرزته من مجرمي حرب ما لبثوا أن أمسكوا بالنظام اللبناني وانضم إليهم كذلك مجرمي سلم، تقاسموا سوية الكعكة الدسمة.

في هذا الإطار، أطل العماد النائب ميشال عون على شاشات التلفزة ليهدد اللاجئين السوريين في لبنان. وكما يعرف الجميع فإن الحكومة اللبنانية، التي يحظى تكتل عون النيابي بحصة وازنة فيها، نأت بنفسها (الكلمة اللعينة والمقرفة) عن الشأن السوري، وخاصة فيما خص إغاثة اللاجئين السوريين إلى لبنان.

وحذر عون في خطابه “غير الجماهيري” الذي أعقب اجتماع تكتل التغيير والإصلاح من خطورة هذا الوضع (وضع اللاجئين السوريين)، وادعى أنه، كعضو أساسي في الحكومة، “يلتزم” إنسانيا مع اللاجئين، وهو ينتظر أن يبادلوه التصرف ذاته، وأضاف: “الجميع يعلم أن مسألة اللجوء تبدأ بأشخاص يطلبون منك المساعدة وتنتهي بالتمرد عليك”. وأبدى عون تحفظه على سلوك الحكومة لأنها لا تضبط الوضع بين اللاجئين بالإضافة إلى موضوع اجتياز الحدود، كما شكك في صفة لاجئ، حيث لا تنطبق على قسم منهم على حد زعمه. كما تخوف عون من انتشار اللاجئين واعتبره “انتشارا خطرا”، وصاح أنه يريد -بالطبع لا يريد إسقاط النظام طالما أنه من رموزه- معرفة أعدادهم ومكان سكنهم وإذا كانوا يحملون هويات أو لا، وشدد على مسؤولية المواطنين والجهات الأمنية الرسمية والبلديات والمخاتير -وجرن الكبة- لإطلاع المسؤولين حول ما يجري في قراهم، وحدد الجنرال السابق مهلة ١٥ يوما للأجهزة الأمنية لكي تمتلك المعلومات، “لأنه لا يجوز التزام الصمت حيال موضوع بهذه الأهمية”.

“لطمأنة” عون، ثمة بلديات في لبنان قد سبقته إلى ما رمى إليه، وصارت تمارس دورا رديفا للسفارة السورية، وتعتمد على هذا الصعيد أساليب ملتوية وحقيرة وغير قانونية، إذ تحصل من إدارات بعض المدارس على لوائح التلامذة السوريين كاملة تتضمن أسماءهم وأسماء أهاليهم ومكان سكنهم وأرقام هواتفهم. عون يريد هويات اللاجئين، نعم، بإمكانهم الذهاب بكل “هدوء” إلى بيوتهم المدمرة والتفتيش عنها تحت الدمار، وذلك ليسمح لهم النظام اللبناني باللجوء. كما عون يخشى أن يتمرد من “يُحسِن” إليه، عفوا من أحسن إلى من؟ كل الناس (بعضها على الأقل) تعرف العنصرية المتمادية المستمرة حيال العامل السوري، على يد ولسان أعضاء في التيار بالإضافة إلى الموجة العنصرية غير المسبوقة التي شنتها ميليشيات ١٤ آذار خلال المرحلة التي تلت اغتيال رفيق الحريري، يضاف إليها موجة إضافية حصلت في صيف العام الحالي في الضاحية الجنوبية ضد اللاجئين السوريين وذلك بعد خطف مجموعة من اللبنانيين في سوريا.

هكذا، تغلق كماشة العنصرية والفاشية على اللاجئين في لبنان، وتحاصرهم أينما توجهوا في زوايا هذا البلد الصغير. والنظام في لبنان يبلغ أعلى مستويات تأزمه وتصادم مكوناته الفاسدة والمجرمة. في هذا الإطار وصف الكاتب الصحفي الراحل جوزف سماحة، في افتتاحية جريدة الأخبار بتاريخ ٥ كانون الثاني ٢٠٠٧، أن لبنان يعيش على حركة صفائح تكتونية تتشكل من حزب الله وتيار المستقبل والتيار العوني، ويكتفي سماحة في نهاية مقالته بالتساؤل حول إمكانية “أن يكون لما أنتجه اتفاق الطائف، نصا وممارسة، أن يشكل الوعاء الصالح لاستيعاب هذا الحراك الاستثنائي”. الجواب الأكيد أن اتفاق الطائف لم ولن يشكل أي حل أو أي إمكانية لاستيعاب هذا “الحراك”، وذلك لسببين: الأول، لأن القوى السياسية التي ذكرها سماحة قد جُرِبت في السنوات الأخيرة، وتلمس الناس الفوارق الضئيلة بينها بما خص سياستها الاقتصادية والاجتماعية، وعلى سبيل المثال، فخطة خصخصة قطاع الكهرباء لم يرغب بها حصرا رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، إنما تولى الدفاع عنها وزير الطاقة الأسبق محمد فنيش، ليصل مشعل الخصخصة إلى الوزير الحالي جبران باسيل. أما السبب الثاني، فيكمن أن الحراك الفعلي والاستثنائي هو الحراك المنطلق في هذه الأيام من اليمن والأردن والبحرين وسوريا ومصر وتونس إلى القلب النابض في غزة، الحراك الثوري هو الذي يزيل أنظمة ويسقط نصوصا دستورية رثة مهمتها الوحيدة تقاسم الغنائم ودماء الشعوب.

في خريف العام ٢٠١٠ كتب الرفيق غسان مكارم في العدد ٢٠ من النسخة الورقية للمنشور التالي: “تصطدم المطالبة بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم الإنسانية بحائط الطائفية اللبنانية. فحتى هذا الإطار العام الذي يفتقد إلى أي آلية تطبيق يتعارض بديهيا مع النظام الطائفي|العنصري… يجب أن نضيف أن إلغاء النظام الطائفي هو أيضا حق من حقوق الفلسطينيين [السوريين] في لبنان”. أما على جدران مخيم الرمل الجنوبي للاجئين الفلسطينيين في اللاذقية فخطت يد ثائرة التالي: “فلسطين ليست بالبعيدة إنها بمسافة العودة [الثورة]”، واليوم تعلمنا غزة والثورة السورية، أن فلسطين وسقوط الأنظمة كلها ليست بالبعيدة إنها بمسافة الثورة، الآن وهنا. لذلك قال محمود درويش: “اذهب إلى دمك المهيّأ لانتشارك
واذهب إلى دمي الموحّد في حصارك
لا وقت للمنفى…
وللصور الجميلة فوق جدران الشوارع والجنائز
والتمني”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s