حوار من داخل الثورة في سوريا: “تغيّرْنا إلى الأبد وسقط الأبد”

نشر في‫:‬الاربعاء, شباط 27, 2013 –
الكاتب/ة: يافا نصر وليد ضو

في ما يلي حوار شامل مع مناضلة من داخل الثورة في سوريا، حول دور المرأة والثورة في المنطقة بمناسبة يوم المرأة العالمي

وليد ضو: ماذا غيرت فيك الثورة؟ وهل تغير مفهوم الوقت عندك أيضا، بحيث أصبح يرتبط بتسارع وأحداث وأمكنة؟
يافا نصر: حسنا، البداية ستكون بسؤال صعب، قد لا أستطيع الإجابة عنه، كل شيء تغير منذ بداية الثورة. لكن أستطيع أن أقول ان أهم تغيير هو أنني قبل الثورة كنت إنسانة لا تملك الجرأة لتعرف أحلامها، الآن وبعد أن وقفنا في ساحات الصمت والذلّ سابقاً، ساحات الحرية المحتلة الآن أصبحت لدي الجرأة بالصراخ بها أمام السلاح: حرية! تغيّرْتُ إلى الأبد وسقط الأبد.
الوقت أصبح معرّفاً بأحداث لا علاقة لها برزنامة العالم: حصار درعا، جمعة 14 نيسان ومجزرة ساحة الحرية في دوما، وأول رفض ممنهج لمعالجة الجرحى، واقتحام الجيش لحماه، وأول مظاهرة في الميدان وسماع صوتي الخاص لأول مرة، وأول عشاء أمضيته مع شباب من الجيش السوري الحر في الزبداني أوائل السنة الماضية، واستشهاد الصديق غياث مطر واعتقال يحيى شربتجي، وآخر مكالمة استقبلتها من قريبتي وزوجها الضابط العسكري، واعتصام البرلمان الثاني، واعتقال رفيقتي من بين يديّ، واستشهاد باسل، واستشهاد أيهم، واستشهاد نضال

إلا أن هناك أحداث لم تسجل على الرزنامة، متى احتُّلَ المكان/الحيز العام الذي سبق وأن استعدناه؟ متى أصبح للعسكر
والسلاح كل هذا الصوت؟ ومتى اختفت أصواتنا مرة أخرى؟ لا أذكر

تستمر التظاهرات الشعبية في سوريا إلى جانب المقاومة الشعبية المسلحة، هل ترين بأن الأخيرة على أهمية دورها قد أدت إلى تراجع في مشاركة المرأة في الفضاء العام الذي تسمح به الأولى (التظاهرات)؟
لاشك أن “العسكرة” قد سحبت بعضاً من إنجازات المرأة السورية التي نجحت في تحقيقها منذ بدء الثورة. وعززت البيئة العنفية التقليدية الطاردة للنساء. عندما يعلو صوت السلاح لا يبقى هناك مكان للنساء أو للأطفال، ولنكن عادلين/ات، سحبت العسكرة أيضاً إنجازات الرجل السوري الذي وجد في فعل التظاهر مواجهة مع العنف الشرس للمقابل/الآخر، التظاهر والرقص والغناء الفعل الإنساني والحضاري الذي تميزت به الثورة السورية، رفع الأغاني والاهازيج بوجه الموت هو فعلٌ كان ممكناً للرجال أيضاً في بيئة قائمة أساساً على العنف والعنف المضاد المستتر غالباً

يشن النظام حملة منظمة للتحرش بالنساء و/أو اغتصابهن، أولاً، هل يمكن الجزم بوجود هذه الحملة. ثانياً، ما هي الوسائل الضرورية لرعاية المعتدى عليهن في ظل استمرار بعض التقاليد المسيئة إليهن من ناحية عزلهن أو تخجيلهن إن لم نقل أسوأ من ذلك؟
حملة الاعتداءات على النساء السوريات موّثقة من عدة مصادر، ولو حُسب غالبها على جهات معارضة. أجد من الصعب إنجاز تقرير حيادي عن هذه الاعتداءات بسبب عدة عوامل: أهمها العامل الأمني والعامل الثقافي والتقليدي. على الأرض بدأت هذه التقارير بالوصول منذ بدء العملية العسكرية في بابا عمرو وحمص بشكل عام. الأساسي في موضوع الاعتداءات يندرج ضمن محورين: الاول هو المعتدي وتجريمه، ليس علينا الانتظار لسقوط السلطة الحاكمة في سوريا لمحاكمة المتورطين بل يجب تجريم الاعتداءات بشكل واضح ورادع للمعتدين. المحور الثاني هو: الضحايا، إلى الآن لا يوجد جهة محَاسبة عن عملها ومُسائلة عنه وتعالج وضع الضحايا من حيث توثيق الاعتداءات ووضع خطط متابعة لأوضاعهنّ من حيث الحماية (من المعتدين وأحياناً من الأهل أنفسهم) ووضعهنّ الصحيّ والنفسيّ. العاملون والعاملات في هذا المجال هم وهن أفراد أو تجمعات صغيرة، ومع الأسف ظهر من استغلّ هذه الجرائم لمآرب سياسية حيث استُخدمت الكثير من الشهادات الخاصة والتي لم تعطِ صاحباتها الحق بالتصرف بها لجهات سياسية معارضة لتجريم النظام. هذا بالإضافة لحالات متاجرة بالضحايا في الدول المجاورة لسوريا عند محاولاتهنّ اللجوء إليها مع عوائلهنّ. الشبكة الاجتماعية المؤهَّلة لمساعدة النساء في حالات مشابهة شبه معدومة، الآن الفرصة هي فرصة ذهبية وسانحة لمكوّنات المجتمع المدني، المهتمة بهذا الشأن، خاصة، من خلال التجمع والعمل على هذه القضية التي أصبحت كسرطان صامت ينهش حيوات النساء في سوريا

هل كانت الحركة النسوية في العالم العربي أو في العالم، على قدر آمالك منها، وما هي الرسالة التي توجهينها لها بشكل عام؟
سامحني لست من مؤيدات “النسوية”. أنا من مؤيدات الانسان. أنا دائماً لا أجد طموحي ضمن إطار حركات “نسوية”، بل الاندماج الحيوي والمحافظ على هوية المرأة ضمن الحراك الثوري/المجتمعي العام، أجد ان “النسوية” في المنطقة العربية خسرت معاركها الرئيسية، في ما عدا تونس، لعقود لم تستطع الحركات النسوية الدفاع عن قوانين تحفظ حقوق النساء أو تحميها من هيمنة المؤسسات الدينية على التشريع. بل على العكس كانت سلبية وانتهت بأن فصلت مشاركة النساء في المؤسسات بكانتونات مشوّهة يقيس البرنامج الانمائي للأمم المتحدة بها (ويحتفي) بمشاركة النساء في المؤسسات الحاكمة. أعتقد أن الحركات المدافعة عن حقوق المرأة في المنطقة يجب أن تقف دقيقة صمت على نفسها الذابلة، وتعيد النظر بكل شيء خاصة في ضوء هذه العاصفة التي تضرب المنطقة. نقطة البداية هي الإنسان: الرجل والمرأة سواء.

سأتحدث عن سوريا، عمل النساء السوريات في الثورة جاء مفاجئا لكثيرين، لكنه في الحقيقة لم يكن مفصولاً عن واقع النساء في سوريا الذي تحسن بشكل ملفت خاصة للفئة العمرية الشابة التي ازداد دخولها إلى المدارس والجامعات بينما ازداد تهميشها في سوق العمل والظلم في قوانين العمل وتوظيف مهاراتها. كل هذا كان تعبير عن المناخ السائد للمؤسسات السورية “الطارِدة” نظرياً وعملياً للنساء ومشاركتهن (وبدقة أكبر طارد للإنسان بشكل عام). فاجأت السوريات أنفسهنّ ومجتمعهنّ والعالم عندما نزلن ضمن بيئاتهنّ الأكثر تقليدية: مثلا، داريا ضمن مظاهرات صاخبة بالغناء والرقص، لم يستطعن الرقص ربما في كلّ مكان لكنّ صوتهن كان عالياً جداً، الحراك السلمي والمدني الاقوى: في داريا، وحلب، وحمص، ودمشق، والسلمية كان متزامناً مع مشاركة نسائية عالية وفعّالة. كانت ولا زلت أكثر المواجهات شدّة في الميدان الدمشقي وفي جامعة حلب حيث ساهمت وتساهم الشابات بإنقاذ الشباب من أيدي رجال الأمن. مشاركة الطالبات في الحراك الطلابي كان حيويا خاصة تنظيمياً هذا شيء مع الأسف قلّما تتم الإشارة إليه، وبعد أن تعسكر الحراك تقلّص هامش عمل النساء مع أن بعضهنّ بقين بكل إصرار في الميدان، بقي للنساء العمل الإغاثي والإنساني والطبّي. لن أبالغ ان قلت أن نسبة كبيرة من 4 مليون مهجر/ة داخل سوريا يعتمدون/ن بمعيشتهم/ن وتعليم أطفالهم/ن على شبكات إغاثة قائمة بمعظمها على عمل النساء. ليس هذا فقط، بل العمل الصحافي والأدبي والثقافي خاصة الالكتروني للسوريات أثر كبير فيه. الأجمل والأكثر إنسانية هو عملهن الصعب التوثيق في السلم الأهلي والمصالحة، أعرف الكثير من الشخصيات النسائية المهمّة في سوريا يقضين جلّ وقتهن في التوسط بين القرى المفترقة أو المتقاتلة وحلّ حالات الخطف المتبادل

تستعمل بعض الصفحات الفايسبوكية في سوريا أو في دول أخرى كمصر أو تونس صورا محورة تبيّن الرؤساء على صورة امرأة أو مثليّ، كيف ترين هذا الأمر، وهل من شأنه إعادة إنتاج السيطرة الذكورية وتمجيدها؟
لا أجد حاجة في “إعادة التمجيد للذكورة” فهي لم تسقط بعد! بالطبع هذا الأمر هو تعزيز لهذه الصورة الغالبة لمجتمعاتنا، من ناحية كانت بعض مكونات الثورة في سوريا تحاول فرض قيود على النساء المشاركات في الفعل الثوري من ناحية الملبس أو التصرف في المظاهرات مثلاً بحجة “الحفاظ عليهنّ” لا يجد هؤلاء أي مانع من استخدام صورة لامرأة، حتى بحجاب، لتركيبها على وجه أحد رموز النظام كـ”حريمات”

تقريبا ينقسم موقف الأحزاب اليسارية في سوريا ولبنان وبقية دول العالم، حيال الثورة السورية، منهم من يقف إلى جانبها، ومنهم إلى جانب النظام، كيف تقرأين هذين الموقفين، وما هو المطلوب بعد من القسم المتضامن؟
الموقف الذي أخذته بعض قوى اليسار التقليدية في سوريا ولبنان هو تعبير عن حال هذه القوى، وأزمة الهوية التي تعتريها منذ أكثر من عقدين من الزمن. يدفعني هذا السؤال إلى سؤال آخر: ما هو هذا اليسار في سوريا ولبنان؟ موقف اليسار هو تعبير عن أزمة الهوية التي تعتريه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، بل أكثر. أزمة تعبّر عن افتراق “غير طبيعي” عن الناس واقتران بمجموعات سلطوية وفئوية تحت مبرر واحد: الموقف من “الإمبريالية الأميركية”. قريب من منطق النظام السوري، اليسار في سوريا ولبنان يعرّف نفسه بالموقف من الخارج: أميركا، روسيا، وإسرائيل. بوصلة كاذبة!
على الجهة الأخرى، أجد الكثير من الحركات الجديدة ذات المزاج اليساري التي وقفت وقفة ضميرية حقيقية من الثورة السورية ومن التغيير “الزلزالي” الذي يجتاح المجتمعات العربية ودوافعه الاجتماعية والإقتصادية. المطلوب أيضاً تصعيد وتعبئة المجتمعات العربية والمجاورة لسوريا للوقوف بموقف شعبي واضح وبنّاء مع السوريين والسوريات الذين واللواتي ينتظرون وينتظرن من الشعوب العربية موقفاً واضحاً قبل أي موقف من حكوماتها التي لا تعبّر عنها

يتضامن العديد من المناضلين والمناضلات داخل الثورة البحرينية أو في الحراك الشعبي في السعودية مع الثورة السورية ويعتبرون ويعتبرن أن الثورات التي تعم المنطقة هي واحدة ضد الظلم والاستغلال الاقتصادي، في هذا الإطار كيف ترين هذا التضامن من الثوار والثائرات في البحرين أو السعودية؟
تضامن البحرينيين/ات والسعوديين/ات مع المناضلين/ات السوريين/ات هو أمر حيوي وسيشكل داعمة للتغيير في كل المنطقة. خاصة عند الأخذ في الاعتبار الأطر الطائفية التي تحاول الأنظمة الحاكمة في المنطقة فرضها على حركات التغيير في مجتمعاتها. هذا التضامن أعتقد سيأتي بأطر جديدة لتعريف العلاقات بين هذه المجتمعات وإعادة تعريف الأفراد/المجتمعات على بعضها البعض. الأمر الرئيسي هو أن ما يجمع حركات التغيير في المنطقة هائل: الأسباب، التوقعات وقد تكون أيضاً النتائج والأهم أن يرى هؤلاء أن ما يستطيعون فعله حقاً قد يؤسس لثورة “عقل وفكر” جديدين في المنطقة، وقد تعيد هذه الثورة إعادة رسم المنطقة بأكملها

المميز في الثورة السورية هو أنكم/ن كما واجهتم/ن وتواجهون/ن النظام، تفعلون الأمر نفسه مع المعارضات ومع تجاوزات بعض الكتائب داخل الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، من هنا ما هو البديل الذي ترينه للأطراف المشار إليها؟
البديل، كان ولا زال، هو حركات سياسية يكوّنها الحراك القائم على الأرض. إفلاس المعارضة السورية وتهلهل معظم مكوناتها السياسية التي أقيمت بعد الثورة كان الضربة الأقسى للثورة، وإحدى أسباب تحولها العسكري هو عدم قدرة هذه “المعارضات” على التقدّم ببرامج أو حلول أو اقتراحات ولم تجد لنفسها دوراً حقيقياً في الثورة لنجدها أخيراً لا تقوم الا بالتشويش على مكوناتها الحقيقية، بل وقامت بعض هذه المكونات “فعلياً” بمحاولة ـسرقة الثورة والانقلاب عليها بدءاً من الفساد بالتمويل وصولاً الى رفع شعارات وتقديم طروحات لا تعبّر عن الثورة أو المصلحة العليا لسوريا. الأسوأ هو أن لا أحد من هذه المعارضات رفع الحدّ الأدنى من خطاب الثورة الموحد: “الحرية والوحدة بين مكونات الشعب السوري”، الحد الأدنى الذي كان سيحافظ على التماسك والثقة الاجتماعيين الذي مزقهما عنصرية وطائفية (وذكاء) النظام ولا مسؤولية المعارضة. أما بالنسبة للمكونات العسكرية فإن الفوضى التي تعم الفصائل تعبّر عن تشرذم المعارضة وعدم قدرتها على توحيد العمل العسكري وقوة معبّرة عن عنف وبطش النظام، من هذا المنحى فإن عسكرة الثورة هي خطر كبير على سوريا القادمة، هذا يجعل احترامها للمدنيين ومساءلتها من قبلهم مهمة شبه مستحيلة. حتى إنّ بعض الفصائل/الكتائب تكونت في مناطق لم تشهد عملاً ثورياً ومدنياً وسلمياً مما أدى إلى تطرف هذه الكتائب وأضعف عملها لتحصين البيئة الأهلية للثورة بل الاتجاه نحو العمل العسكري نفسه فقط

يقال أن الطريق إلى النصر هو الخط المباشر، ما هي معالم هذا الخط، وكيف يمكن له أن يمر في بيروت أو القدس أو في الرياض…؟
الثورة التي ستفتح أبواب التغيير في المنطقة لن تكتمل إن لم تمر في السعودية أولاً أو أخيراً. أما فلسطين فإن الشباب الفلسطيني يخوض ثورته منذ سنين إلا أنه لم يبق أي من الأنظمة الممانعة والمصالِحة لم يتآمر عليها. أهم ما قدّمته الأنظمة الحاكمة في المنطقة لإسرائيل هو إضعاف الداخل الفلسطيني وتفتيت المقاومة الوطنية الفلسطينية. لا ربيع عربي إن لم يكتمل في السعودية، النظام الحاكم في السعودية هو حامي الرجعيات في المنطقة والشباب السعودي الذي نلتقي به يفاجئنا، فالرغبة بالانعتاق ناجزة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s