الطائفية ونظام الاسد في سوريا

526832_436179416474319_679002615_n

نشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة الثورة دائما

http://permanentrevolution-journal.org/ar/issue3/assaad-sectarianism-syria

http://permanentrevolution-journal.org/ar

العدد الثالث – أذار٢٠١٣
الكاتب: جوزيف ضاهر
الدولة:  سوريا
تاريخ النشر: آذار (مارس), 2013

لا تزال الثورة السورية مستمرة، واصبحت لديها طبيعتان، طبيعة حراك سياسي سلمي، وطبيعة عنفية متمثلة بالجيش السوري الحر، الذي نشأ كردة فعل على القمع الوحشي الذي انتهجه نظام الاسد بمواجهة الحركة الشعبية.

ورغم البيانات والهتافات المتعددة التي اطلقها الثوار في سوريا، رفضاً للطائفية وللمطالبة بوحدة الشعب السوري، نرى الكثير من القوى المساندة للنظام تحاول ان تبيّن ان الثورة تطغى عليها الجماعات الاسلامية المتطرفة، التي تدعمها السعودية وقطر. وبالمقابل تحاول هذه القوى، بالشراكة مع جزء كبير من اليسار «الممانع»، تصوير نظام بشار الاسد، كما لو كان نظاماً علمانياً تقدمياً، وحامياً للأقليات الدينية!

ولكن، على الرغم من زيف هذا الطرح، وعدم صوابية هذا التشريح لواقع الثورة السورية، من الخطأ ان ننزلق الى عدم الاعتراف بكون الطائفية هي جزء من السياسات، التي تنتهجها بعض القوى، في الحراك الثوري السوري. ففي اي واقع ثوري، تصعد الى السطح قوى وايدولوجيات مختلفة ومتناقضة، تتوحد موضوعياً في تضررها من النظام القائم، ولكنها في نفس الوقت، تختلف جذرياً في ما بينها، حول السياسات المتبعة ومنهجية العمل الشعبي، والخطاب السياسي والايديولوجي. وإنكار وجود هكذا ديناميات، في اي واقع ثوري، لا يندرج سوى في محاولات التسخيف والتبسيط، التي ينتهجها بعض المثقفين، في تعاطيهم مع واقع الثورات العربية، بشكل عام، وواقع الثورة السورية، بشكل خاص.

أجل، هناك مجموعات وقوى في الحراك السوري تنتهج المنطق الطائفي، في مواجهتها للنظام، لكن ماذا يجب ان يكون دور اليسار الثوري في سوريا، في مواجهة هذا الواقع؟ أيجب عليه ان يترك المعركة، وينتظر الى أجل غير مسمّى، حتى تأتي الثورة الاجتماعية المثالية والنقية، كما فعلت بعض قوى اليسار التقليدي؟ او ننخرط كلّياً في الحراك الثوري، من اجل التخلّص من النظام، وفي نفس الوقت، وعلى نفس المستوى من الاهمية، نتولى العمل على تثوير القوى والجماهير المنخرطة، في
الحراك الشعبي، بمواجهة الخطاب الطائفي؟

يجيب لينين عن هذا السؤال، بالقول: «إن تصور إمكانية قيام ثورة اجتماعية… بدون هبّات ثورية يقوم بها قطاع من البرجوازية الصغيرة، بكل ما له من تحيزات، وبدون حركة من جانب جماهير البروليتاريا، وأشباه البروليتاريا، غير الواعين سياسياً، ضد قهر ملاكي الاراضي والكنيسة والمَلَكية، وضد القهر القومي.. الخ.، أقول إن تصور هذا كله يعني التخلي عن الثورة الاجتماعية. فالمتوقع هو أن تنتظم صفوف جيشٍ في مكان ما، ويقول :«نحن للدفاع عن الاشتراكية» وآخر تنتظم صفوفه في مكان ثان، ويقول «نحن للدفاع عن الامبريالية»… وهكذا تكون الثورة الاجتماعية…

«إن من يتوقع ثورة اجتماعية «محضة»، او «نقية»، لن يحيا أبدا حتى يراها. فمثل هذا الانسان يثرثر بكلمة الثورة، من دون أن يفهم معناها.»1

ان السيرورة الثورية ليست ذات لون واحد، ولن تكون كذلك، أبداً؛ فإن كانت لا تعود، عندئذ، ثورة؛ ودور اليسار الثوري هنا واضح جداً، وهو مواجهة النظام، وتثوير الحركة الشعبية.

ولقد رأينا كيف ان جزءاً كبيراً من الحراك الثوري السوري، عمد منذ بداية الثورة الى رفض الطائفية، على رغم محاولات النظام المتكررة إشعال نيران الطائفية. فرأينا شعارات، كـ«جميعنا سوريون، جميعنا متحدون»، تتكرر دائماً، وفي كثير من التحركات رأينا يافطات واضحة تقول «لا للطائفية». بالإضافة الى ذلك، قامت لجان التنسيق المحلية في سوريا بتنظيم حملة، تحت شعار «طائفتي الحرية»، حيث رفعت اللجان يافطات ترفض فيها الخطاب الطائفي، كما ترفض الممارسات الطائفية للنظام، ومحاولته جر الثورة الشعبية الى فخ طائفي. 2

تنسيقية سراقب رفعت يافطات تحمل رموز جميع الطوائف والتلاوين السورية، بينما في داعل، رفع المتظاهرون يافطة تقول: «في سوريا المستقبل، سياسات الإقصاء ستنتهي». وفي الاشهر القليلة الماضية، رأينا يافطات تقول إن الطائفية هي مقبرة الثورة السورية.

لقد اكدت الحركة الشعبية في سوريا، في اكثر من مناسبة، التزامها بالنضال من اجل سوريا موحدة، وضد التقسيم، بناءً على تضامن شعبي اجتماعي، ووطني، وفي تحَدٍّ واضح للانقسامات الطائفية والاثنية.

ولكن ما يغيب عن سمعنا عادة هو السياسات والممارسات الطائفية والعنصرية المستعملة من قبل النظام، بمحاولة منه لتفريق الحركة في الشارع. ويعود تاريخ هذه السياسات إلى الايام الاولى لتولي حافظ الاسد الرئاسة في سوريا. فالنظام السوري هو نظام سلطوي، وزبائني، وقد وجد لنفسه الدعم من قبل أجهزة الامن، التي تهيمن عليها بشكل عام شخصيات علوية، بالإضافة الى شبكات من البيروقراطيين، والرأسماليين المتمركزين حول القطاع العام، والذين استطاعوا ايضاً الاستفادة، على الصعيد الاقتصادي، بشكل كبير، خلال التسعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق قانون الاستثمارات رقم ١٠ في العام ١٩٩١. 3

وكذلك حصل النظام على الدعم من قبل البرجوازيين المسيحيين والسنّة، في دمشق وحلب، الذين استفادوا كثيراً من السياسات النيوليبرالية، التي اعتمدها النظام في السنوات الماضية، وخاصة بعد اطلاق مسيرة السوق الاجتماعية، في ال٢٠٠٥.

ولا يجب ان ننسى ايضاً في ١٩٧٠، حين هلل تجار حلب ودمشق لمجيء حافظ الاسد الى السلطة، ومساندتهم للحركة التصحيحية التي قادها حافظ الاسد، والتي انهت السياسات الراديكالية التي اعتمدت في الستينيات، والتي تحدّت سلطة البرجوازية، السياسية والاقتصادية. فتجار المدن حينها، والذين كانوا ناشطين بشكل قوي ضد الجناح اليساري، في حزب البعث، ارسلوا متظاهرين الى شوارع المدن الكبرى، حاملين يافطات تقول: «طلبنا من الله المدد (العون)، فأرسل لنا حافظ الاسد». 4

ومنذ ذلك الحين سعى النظام الى بناء شبكة من الولاءات لنفسه، عبر اكثر من وسيلة، معظمها اقتصادي، مع افراد وزعامات من كل الطوائف السورية. وبالمقابل، اعتمد النظام الاستقطاب الطائفي والقبلي والعائلي، في تشكيله الجهاز الامني للنظام الحاكم، المؤلّف بغالبيته من شخصيات علوية.

فالطائفية كانت ومازالت أحد الاسلحة الابرز لنظام الاسد، في محاولاته الدائمة لجم الحركات الشعبية المعارضة، كذلك الاحزاب السياسية، والحركات المدنية، وذلك من خلال رفع شأن العلاقات العائلية والقبلية، بمواجهة العلاقات او التجارب الانسانية المدنية. وهدفت هذه السياسات الى توجيه الانظار بعيداً عن الفساد، والفروقات الاقتصادية والقمع والاضطهاد، وغياب الديمقراطية.

هذا وعادة ما تفسّر الطائفية، بكونها انتصار التقاليد على الحداثة، او تعبيراً عن مشاعر بدائية او كره تاريخي ما، بين المجتمعات، كما الحال بين الشيعة والسنة في العراق، والبحرين ولبنان، او العلويين والسنّة في سوريا، او الاقباط والسنّة في مصر. وفي هذا السياق يروّج بأن الطائفية هي ارث مدمج في مجتمعاتنا، ما قبل حداثي، يمنع مجتمعاتنا من التطوّر والدخول في حيز الحداثة.

ولكن واقع الامر يختلف عن هذا الطرح، فالطائفية كتعبير سياسي هي تعبير حداثي، يستمدّ القوة من التناقضات الطبقية والسياسية والاجتماعية، التي نشأت مع دخول مجتمعاتنا، في كنف النظام الرأسمالي، تحت ادارة الدول الكولونيالية، في أواخر القرن التاسع عشر.

ويقول أسامة مقدسي، في كتابه «ثقافة الطائفية»: «أحد اكثر الاخطاء التاريخية شيوعاً، حول الشرق الاوسط، هو اعتبار ان الطائفية حاجز امام الانتقال الى الحداثة، وهي عارض من عوارض ما يسمى قوس الازمات. هذا التحليل ادى الى مسارات محبطة للتحقيق التاريخي، حيث قام الكثير من الاكاديميين بالعودة، بعيداً في الماضي، لإيجاد جذور المشكلة، بينما مشكلة الطائفية تستمر بالتقدّم في الحاضر، وتتجه لتكون اكثر تعقيداً واكثر ترسخاً. فالطائفية لم تكن ارتداداً الى الماضي، بل كانت تقطع معه، وسجّلت ولادة ثقافة جديدة تتخذ من الانتماء الديني السمة التي من خلالها يعرّف المواطن الحديث نفسه.» 5

فالطائفية اذاً هي تعبير حداثي، وفي معظم الوقت هي صورة مُسقطة من قبل الطبقة الحاكمة، على الحركات الشعبية، بغية الغاء شرعيتها، وبهدف خلق تفرقة ما بين الجموع المنتفضة على الحكم.

وكما يقول محمد القحطان، من السعودية: «إن الطائفيّة هي نتاج هذا النظام الذي يفرّق بين العمّال والموظفين، ويختلق خرافات نمطيّة، لدى كل فئة من فئات العمّال، لتشتيت أي جهود نحو الاتحاد والعمل المباشر، لمواجهة الطبقة التي تستغلهم، وتضطهدهم – لذا يتم اختلاق صراع ضارٍ بين الطائفتين السنيّة والشيعية – بينما في الحقيقة لا يوجد علاقة استغلالية بين الفقراء السنة للفقراء الشيعة، انما العلاقة الاستغلالية المستبدّة هي بين الطبقة الحاكمة والطبقة الكادحة، بمختلف طوائفها.» 6

والقصة تكرر نفسها في لبنان، فنستطيع ان نلاحظ يومياً في لبنان كيف توظّف السياسات الطائفية في ضرب التحركات العمالية، او التحركات الشعبية. فمثلاً في اضراب موظفي مؤسسة كهرباء لبنان، قام شبيحة وزير الطاقة، جبران باسيل، بالتظاهر ضد الاضراب، متهمين العمال بكونهم يحاولون «تشييع» مؤسسة كهرباء لبنان، وحاولوا تحريض المناطق المسيحية في بيروت، حينها، لمواجهة الاضراب، فردّ العمال باعتصامات ليلية، كان يشكّل العمال المسيحيون فيها عصب الدفاع عن الاضراب، لمواجهة التحريض الطائفي.

اما في مصر، فلقد رأينا في عدة مناسبات، استخدام النظام للسياسات الطائفية، من خلال القمع الوحشي الذي تعرضت له مظاهرات الاقباط، مثلاً في احداث ماسبيرو، في نوفمبر/ت2 ٢٠١١، حيث عمد النظام الى تأجيج جو من المعاداة، ضد الاقباط، من خلال حرق الكنائس، الذي ثبت لاحقاً تورّط حبيب العادلي، وزير الداخلية الاسبق، فيه.

والنظام السوري لم يكن بعيداً عن هذه الممارسات خلال الاربعين عاماً الماضية، ليس فقط على المجتمع السوري، بل على المجتمع اللبناني ايضاً. فسياسة النظام السوري اعتمدت على ثلاثة محاور اساسية:

– مركزة القوة السياسية بيده، من خلال السيطرة على الحركة النقابية والحركة السياسية، واحتواء المعارضة وتفريغها.

– انشاء شبكة من العلاقات مع التجّار واصحاب الاعمال، ومع المؤسسات الدينية والطائفية، وتشجيع نمط العلاقات القبلية في التمثيل السياسي.

– بالاضافة الى ذلك انتهاج سياسات اقتصادية نيوليبرالية، أدت الى تراجع خدمات الدولة، امام صعود مؤسسات الرعاية الدينية، والعائلية.

كل هذه السياسات ادّت بطبيعة الحال الى انتاج بيئة وثقافة طائفيتين قائمتين، ولهما مساحتهما في الواقع السوري، التي تظهر اليوم بشكل فظّ، اثر القمع الوحشي الذي يقوم به النظام يومياً ضد الجماهير المنتفضة، محاولاً من خلال هذه الوحشية دفع المجتمع السوري نحو حرب اهلية طائفية، يستطيع من خلالها اعادة انتاج هيمنته، التي يفقدها يوماً بعد يوم.

وما سنقدمه هنا هو شرح لكيف قام النظام بإنتاج تلك البيئة، على مدى الاربعين عاماً الماضية:

١- السيطرة على الحركة العمالية: وقد بدأت سياسات السيطرة على الحركة النقابية، منذ مجيء حافظ الاسد الى السلطة، فقام بحلّ نقابات الاطباء، والمحامين، والمهندسين، والصيادلة، في العام ١٩٨٠، حيث كان لهذه النقابات دور قيادي، في النضال من اجل الديمقراطية والحريات السياسية، ومن اجل الغاء قانون الطوارئ. واعيد فتح هذه النقابات بعد ذلك، واستبدال قياداتها بقيادات معيّنة من قبل النظام، وتابعة له، واعتمدت هذه السياسة في مجمل الحركة النقابية. 7

وهذا ما سهّل للنظام لاحقاً إنشاء علاقات متينة مع البرجوازية السورية، وايضاً تسهيل تمرير السياسات النيوليبرالية، منذ العام ٢٠٠٠، وهي التي ادّت بطبيعة الحال الى انحدار المستوى المعيشي لغالبية السكان، انحداراً مخيفاً. ورغم ذلك، وتبياناً للعمق الاقتصادي لأزمة النظام السوري، فلقد شهد العام ٢٠٠٦ تحرّكين عماليين بارزين، اولهما كان اعتصام مئات من عمال البناء، امام الشركة العامة للبناء في دمشق، وثانيهما كان اضراب سائقي السيارات العمومية في حلب، وقد قمعا بشكل قاسٍ.

ونستطيع ان نرى هذا البعد الاقتصادي والعمالي، في الثورة السورية، رغم ان الكثير من وسائل الإعلام، والقوى السياسية، تغفل هذا الجانب وتشارك بدورها في التحريض الطائفي. فخلال شهر كانون الاول/ديسمبر، من العام ٢٠١١، شهدنا اضرابات عامة وعصياناً مدنياً شلّت اجزاء كبيرة من سوريا، ما ادى الى ردود وحشية من قبل النظام، والى سياسات طرد جماعية ضخمة، بحيث قام النظام بطرد اكثر من ٨٥،٠٠٠ عامل/ة، ما بين كانون الاول/ديسمبر ٢٠١١ وكانون الثاني/يناير ٢٠١٢، وقد اقفل اكثر من ١٨٧ مصنعاً (بحسب احصائيات النظام) لكسر حركة العمال.

٢- اما على المستوى التعليمي فاستهدف النظام الاساتذة والمعلمين/ات اليساريين/ات، بينما في نفس الوقت أعطى مساحة اكبر للتيارات الدينية الاصولية. 8 فمثقفون مستقلون من امثال ميشيل كيلو، ووادي اسكندر، واساتذة جامعيون كرفعت السيوفي وآصف شاهين، كانوا نقديين تجاه النظام، فتم استهدافهم ايضاً. 9

٣- وعلى المستوى السياسي، قام النظام بقمع واضطهاد اي حركات سياسية، او احزاب معارضة لا تلتزم بمظلّة الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي انشأها حافظ الاسد. والاحزاب المنتمية للجبهة لا تتمتع بأي حقوق سياسية فعلية، بل تتحرك وفق ارادة النظام. ففي بداية السبعينيات من القرن الماضي، قام النظام بضرب الاحزاب والتنظيمات العلمانية واليسارية، كحركة23شباط (تيار راديكالي من أصول حزب البعث)، وكذلك حزب العمل الشيوعي (بصيغته القديمة، وقبل سحق النظام له، في الثمانينيات، وأوائل التسعينيات)، هذين الحزبين اللذين كان معظم اعضائهما من الطائفة العلوية، فضلاً عن ضرب الحزب الشيوعي–المكتب السياسي، بقيادة رياض الترك. 10

استكمل هذا النهج مع مجيء بشار الاسد الى السلطة، فقام النظام حينها بقمع كل حركة طالبت بالحريات السياسية والديمقراطية، ما بين العام ٢٠٠٠ والعام ٢٠٠٦، وكانت تضم عدداً من المثقفين والفنانين والكتاب والاكاديميين والسياسيين. وترافق هذا الامر مع بداية نشوء منتديات نقاشية كانت شكلت منطلقاً لها المنابر التي نشأت مباشرة بعد وصول بشار إلى الحكم. وقد ترافق ذلك مع عدة اعتصامات شكّلت حالة جديدة في الواقع السياسي السوري، وقامت بالدعوة لهذه الاعتصامات الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، في نفس الوقت. وعلى اثر ذلك قام نظام بشار الاسد بقمع هذه التحركات واقفال المنتديات واعتقال الكثير من المثقفين/ات والناشطين/ات المبادرين/ات إليها.

وقد أدى هذا الوضع، بطبيعة الحال، وذلك منذ أيام حافظ الاسد في السلطة، إلى احكام سيطرة حزب البعث على معظم تفاصيل الحياة السياسية في سوريا. واصبح الحزب الوحيد الذي يحق له تنظيم النشاطات السياسية، والمحاضرات والمظاهرات في الجامعات، كما في شتى المجالات، والمواقع، وكان الوحيد الذي يملك الحق بتوزيع جريدته في الجامعات والثكنات، وحتى الاحزاب الموالية للنظام لم يكن لها الحق بالدعاية السياسية، وحتى بمكتب في حرم الجامعة. وقام حزب البعث بإنشاء منظمات شعبية مكنته من إحكام سيطرته على أقسام مختلفة من المجتمع، كالشباب والنساء. وبالإضافة الى مركزة القوة السياسية، قام حافظ الاسد بعد مجيئه الى السلطة بالسيطرة ايضاً على حزب البعث، فتم تغيير النظام الداخلي للحزب، بحيث اصبحت قيادة النظام والسلطة الامنية هي من يقرر ويعيّن القيادات الحزبية، وبالمقابل تم قمّع اي معارضة حزبية داخلية.

وفي المؤتمر السابع لحزب البعث، قام رفعت الأسد بتلخيص الامر بشكل جيّد، بينما كان يشرح رؤيته لكيفية عمل الحزب، بقوله: «القيادة تعيّن، والحزب يوافق والشعب يهتف، هكذا تعمل الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، ومن لا يهتف يذهب الى سيبيريا». 11

هذا وقد كانت شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي تحوّل القيادات الحزبية للبعث من مناضلين ملتزمين وناشطين متحمسين، كما كان الامر في الخمسينيات والستينيات، من القرن الماضي، الى موظفين تابعين. 12

وفي الفترة التي تلت السبعينيات، عمدت قيادة الحزب الى توسيع القاعدة الحزبية بحيث اصبح الحزب الاداة الاهم في بسط سيطرة النظام على تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في سوريا، وبالطبع تعززّ هذا الدور للحزب، من خلال ربط التوظيف، والترقي الوظيفي في مؤسسات الدولة، بالانتساب، ما شجّع تضخّم القاعدة الحزبية من ٦٥،٣٩٨ في ال١٩٧١، الى ٣٧٤،٣٣٢ في ال١٩٨١، ومن ثم الى ١،٠٠٨،٢٤٣ في حزيران/يونيو من العام ١٩٩٢. 13

إعادة تعريف العلاقات المدنية والسياسية من خلال الخطاب الديني والطائفي

وفي ظل سيطرة شبه كاملة على تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا، عمد النظام الى انشاء شبكة من العلاقات تنمّي، بطبيعتها، العلاقات الدينية والطائفية والعائلية، بدلاً من العلاقات المدنية. فلقد عمد النظام الى تقوية وتمتين علاقته مع رجال الاعمال السنّة، وانتهاج سياسات ليبرالية مضبوطة، سعت الى تمكين النظام من تجميع الثروات، في ما بينه وبين شبكة العلاقات التي يرعاها، والتي لم تقتصر فقط على رجال الاعمال، بل شملت ايضاً الاجزاء الاكثر رجعية في المجتمع السوري.

هكذا تمت ترقية رجال الاعمال الى مواقع قيادية في الحزب، فضلاً عن ترقية عدد كبير من التكنوقراط غير الحزبيين، في الدولة. 14

ففي مجلس الشعب، أُعطي مجال اوسع، وصوت أعلى، لأصحاب المصالح والشركات، كما رجال الدين، بالإضافة الى زعماء العشائر في المقاعد المستقلة وغير المنتسبة الى البعث. وقد شكّل هؤلاء حوالى ال٣٣،٢٪ من مجلس الشعب، منذ ال١٩٩٤. 15 وقد هدف حافظ الاسد من هذه السياسات إلى تأمين استقرار النظام، عبر تجميع الرساميل والثروات، في مواقع مضمونة، وفي نفس الوقت استقطاب المجتمع التجاري، وخاصة رجال الاعمال، الى جانبه. 16

وقد تمّ تثبيت البعد الطائفي للنظام الحاكم في سوريا، من خلال تقوية هيمنة المؤسسات الطائفية والدينية على المجتمع، خاصة في الطائفة السنية، بينما على مستوى العلويين، تم الربط المباشر ما بين العائلة الحاكمة (آل الاسد) وجموع العلويين في سوريا، وفي نفس الوقت انتهاج نهج اقصائي وقمعي تجاه الاكراد. وهو، بطبيعة الامر، ما أسس لعلاقات تجعل من الدين والطائفة والعائلة مسرحاً لتعبيرها السياسي، بدلاً من المساحة المدنية.

وبالرغم من ان النظام قام بقمع حركة الاخوان المسلمين في سوريا، بوحشية، بين السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لم يمنعه ذلك من انتهاج سياسات محافظة دينية، بتعارض مباشر مع ما يدَّعيه من طبيعة مدنية وعلمانية. فقام النظام ببناء عدد كبير من المساجد، ودعم مدارس الشريعة الاسلامية، ورفع اجور الائمة والمدرسين والخطباء ورجال الدين السنّة، وذلك بالإضافة الى الترويج للإسلام في الإعلام الرسمي، بينما في نفس الوقت، حاول تشجيع بناء مؤسسة دينية اسلامية محافظة، لاستقطاب التيارات الاسلامية المتعددة، ولبناء شرعية اسلامية للنظام. 17

ومنذ العام١٩٧٣، ونتيجة لاحتجاج بعض الشخصيات الدينية السنية، كالشيخ حسن حبنتكة، قام حافظ الاسد بتعديل الدستور، بعد تبنيه من مجلس الشعب، وأعلن من خلاله أن «دين الرئيس هو الاسلام». 18 وأُبقي على هذا البند الدستوري في الدستور الجديد، الذي اعتمده نظام بشار الاسد في آذار/مارس ٢٠١٢، وكذلك اضيفت عبارة «الشريعة الاسلامية هي مصدر كل التشريعات»، للتأكيد على العمق الاسلامي للنظام الحاكم.

تراجع خدمات الدولة امام انتشار اوسع للمؤسسات الدينية غير العلوية

مع تبني «الاقتصاد الاجتماعي الجديد»، وكان الغطاء الايديولوجي للسياسات النيوليبرالية، التي بدأ باعتمادها النظام، منذ العام ٢٠٠٠، عنى ذلك انسحاب الدولة من مرافق اساسية وحياتية، وترافق مع ازدياد كبير لعدد مؤسسات الرعاية الدينية، وكذلك تدني المستوى المعيشي للسكان، بصورة فاضحة. ففي الفترة التي سبقت الثورة، مباشرة، كان يرزح ٣٠،١٪ من السكان تحت خط الفقر، وحوالى المليونين (اي ١١،٤٪) من السكان كانوا غير قادرين على تأمين حاجاتهم الاساسية. 19 كما ان الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي كان يتناقص، منذ بدايات التسعينيات، من القرن الماضي، وهذا ما دفع النظام الى انتهاج سياسات نيو ليبرالية أكثر جرأة، واستكمال البحث عن رساميل خاصة. 20

وكمثال اساسي على هذه السياسات، شهدنا تراجعاً كبيراً في القطاع الصحي، امام ازدياد كبير لمؤسسات الرعاية الدينية خاصة. ففي العام ٢٠٠٤، حوالى ال٣٠٠ مؤسسة رعائية كانت تعطي اكثر من ٨٤٢ مليون ليرة سورية لأكثر من ٧٢،٠٠٠ عائلة.21 احدى اشهر واهم هذه المؤسسات كانت جماعة زيد، التي كانت تربطها علاقات متينة مع البرجوازية السنية الدمشقية، ويديرها الاخوان الرفاعي، الذين وإن كانوا ينتهجون اليوم خطاباً مناهضاً للنظام، فهذا لم يمنعهم (ما قبل الثورة) من بناء علاقات متينة ومصالح مشتركة بينهم وبين النظام، من خلال تمكين النظام لهم من السيطرة على الجوامع الجديدة على حساب المؤسسات الاخرى، بينما حصل الكثير من اعضائهم على مراكز هامَّة في المؤسسة الدينية الرسمية. 22 ما ادى بطبيعة الحال الى تعمّق دور المؤسسات الدينية، المسيحية والاسلامية، في المجتمع السوري.

فلقد تم بناء حوالى ال١٠،٠٠٠ جامع، ومئات مدارس الشريعة، واكثر من ٢٠٠ مؤتمر ديني تم عقدها، في المراكز الثقافية، في العام ٢٠٠٧. وفي نفس الوقت، قامت قيادات المؤسسات الدينية الرسمية بلعب دور المجتمع المدني السوري، وتأكيد الولاء للنظام، وكانوا، بإيعاز من النظام، يمثلون صورة توافقية وحداثية عن المجتمع السوري، امام الوفود الاجنبية. وتأكيداً لهذين الدور والبعد الاسلاميين، قام بشار الاسد، في ال٢٠٠٩، بالاجتماع بيوسف القرضاوي في دمشق، ضمن فعاليات مؤتمر لاتحاد العلماء المسلمين في العالم.

وترافقت هذه السياسات مع ازدياد الرقابة على الاعمال الفنية والادبية، العلمانية واليسارية، بينما ازدادت اعداد الكتب الدينية والاسلامية في المكتبات، وكذلك تمت أسلمة التعليم العالي. وهذا يظهر بشكل صارخ في العلوم الإنسانية، حيث تمت بشكل منهجي الاشارة الى الدين في قراءة الظواهر والمسائل العلمية والاجتماعية والثقافية. وقامت الحكومة ايضاً بسحب رخصة منظمتين نسويتين في ال٢٠٠٧، استجابة لضغط عدد من المؤسسات والشخصيات الدينية. 23

فسياسة التقرّب من المؤسسات الدينية، كانت احد الروافد الاساسية التي شكلّت المساحة البديلة من المساحات السياسية المدنية، ما ادى الى اعادة تعريف التعبير السياسي، في شكل ديني وطائفي. وتأكيداً على ذلك، رأينا كيف ان النظام، في نيسان/أبريل ٢٠١١، وفي محاولة منه لاستقطاب الاقسام المحافظة في المجتمع السوري، قام بإقفال الكازينو الوحيد في البلاد، والغى القرار الذي كان يمنع المنقبات من دخول صفوف الدراسة في الجامعات.

محاولة احكام السيطرة على الطائفة العلوية وربطها مباشرة بآل الاسد

بينما كان النظام يقوم بتشجيع العلاقات الاعتمادية، ما بين السنّة والمؤسسات الدينية، عمل على الربط ما بين الجموع العلوية والنظام مباشرة، ان لم نقل بعائلة الاسد. فقام النظام باعتماد سياسات مختلفة، منها ضرب اي حالة اعتراضية على النظام، ضمن العلويين، بالإضافة الى محاولة تحويل الطائفة العلوية الى طائفة سياسية، مربوطة مباشرة بعائلة الاسد.

فقد كان حافظ الاسد قد قام، اولاً، بالقضاء على اي بديل عسكري لحكمه، كالجنرال محمد عمران الذي اغتيل في بيروت في العام ١٩٧١، والذي كان يتمتع بعلاقات جيدة مع البرجوازية السنية الدمشقية. وقام حافظ الاسد بسجن صلاح جديد، منذ استلامه الحكم وحتى العام ١٩٩٣، عام وفاة هذا الأخير.

وقام النظام ايضاً بتأسيس مؤسسة الامام علي المرتضى، في العام ١٩٨١، التي كان الهدف منها استقطاب الطاعة في جموع العلويين، والزيادة من سلطة جميل الاسد، اخ الرئيس، في منطقة اللاذقية. وكان هدف المؤسسة، بحسب تعريف جميل الاسد، هو بناء شخصية علوية. واستخدمت المؤسسة بشكل اساسي من اجل ترشيح شخصيات علوية تابعة لآل الاسد، بمقابل المرشحين البعثيين الآخرين. ولكن لم تعش تلك المؤسسة طويلاً وانتهت في العام ١٩٨٣، على اثر انتقادات كبيرة من قبل اعضاء من حزب البعث ومن النظام. ولم يسمح بعدها لأي مؤسسة رعائية اخرى بالنشوء في المجتمع العلوي، خلافاً لما كان يتمّ في الطوائف الاخرى. فعائلة الاسد عمدت حينها الى الربط ما بينها وبين الجموع العلوية، من خلال العلاقات الزبائنية والعائلية. وبالإضافة الى ذلك لم يسمح النظام بنشوء المجلس العلوي الأعلى، على غرار المجلس الشيعي الاعلى، او المجلس الاسماعيلي الاعلى، ولم يسمح بأي اشارة رسمية الى المجتمع العلوي، وهذا الامر لا يأتي من منطلق «علمانية» النظام، بل من اجل الغاء امكانية نشوء اي جسم يمنع او يحدّ من سيطرة آل الاسد على الطائفة العلوية. كما عمد النظام الى تشجيع الولاءات العشائرية في الطائفة العلوية، ما شجّع التفرقة في ما بين أبنائها. 24

في المقابل، فإن ظروف الفقر المدقع التي عاناها العلويون، بفعل السياسات الاقتصادية لنظام الاسد، دفعت الكثير منهم نحو الالتحاق بالجيش، او بالأجهزة الامنية، التي كانت تحت سيطرة العائلة الحاكمة مباشرة. ففي تقرير لمجموعة الازمة الدولية (انترناشيونال كريسيس غروب):

«بقي الريف العلوي من دون اي إنماء؛ والكثير من السكان التحقوا بالجيش؛ لغياب اي بديل اقتصادي فعلي؛ وموظفو الاجهزة الامنية كانوا ذوي دخل قليل، بينما يعملون لفترات طويلة. والافراد حديثو السن من العلويين، انتسبوا في غالبيتهم الى القوى العسكرية والامنية، لكون النظام لا يسمح لهم بأي خيار ثانٍ. هذا وإن العلويين العاديين نادراً ما استفادوا من الفساد، في اعلى هرم النظام، وخاصة تحت حكم بشار الاسد». 25

فهذا الربط، او احكام السيطرة على الطائفة العلوية، اتخذ شكله الفعلي بمحاولة نظام الاسد عسكرة العلويين تحت سيطرته، فأصبحت بالتالي الطائفة العلوية خزاناً بشرياً لنظام حكم حافظ الاسد، ومن ثم ابنه بشار، وهذا الواقع كان احد ابرز الامور التي اسست للبيئة الطائفية الناتجة من الصراع مع النظام الامني للأسد، في الثورة السورية، اليوم.

التمييز والعنصرية تجاه الاكراد

قام نظام الاسد منذ ال١٩٧٠ بزيادة التفرقة والتمييز بحق الاكراد، وخلق جو من التفرقة ما بين الاكراد والعرب والاشوريين والتركمان، وخاصة في الشمال. ففي ظل حكم الاسد، جرى اعتبار الاكراد، الذين يشكلون اكثر من ١٠٪ من المجتمع السوري، مواطنين من الدرجة الثانية، لم يسمح لهم بتعليم لغتهم، ولا الاحتفال بتقاليدهم، واي محاولة لخرق هذه القوانين قد يُعاقب عليها ب١٠ سنوات من السجن. بالإضافة الى ذلك، تم افقار المناطق الكردية، واعطيت الاراضي إلى ملاكين عرب، وتمت السيطرة على آبار البترول الغنية، في المناطق الكردية، وتركت الطرقات بحالة سيئة ومن دون صيانة.

فما بين العام ١٩٧٢ والعام ١٩٧٧، اعتمدت سياسات شبه عنصرية، في عدة مناطق كردية. فحوالى ال٢٥،٠٠٠ مزارع عربي، ممَّن تضررت معظم منازلهم من الفيضان الذي سببه بناء سدّ الطبقة، ارسلوا الى الجزيرة العليا واسكنوا في بلدات نموذجية وحديثة، موازية للبلدات الكردية المفقرة. 26 وتمتعت هذه القرى والبلدات الحديثة بالخدمات الجيدة من مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس وطرقات، وغيرها من الامور، بينما البلدات الكردية كان ينقصها تقريباً كل شيء. بالإضافة الى ذلك كانت تعاني المجتمعات الكردية سياسات تمييزية قاسية، منها منعهم من التدريس، لكونهم غير عرب، وتم اعتماد سياسات طرد العمال الاكراد، وتدمير المنازل، واعتقال القيادات السياسية الكردية، وغيرها من الامور. 27 وقامت الحكومة السورية ايضاً بتغيير اسماء المناطق الكردية واستخدمت الاسماء العربية، ومنعت الاهالي من تسجيل ابنائهم وبناتهم، بأسماء كردية.

فسياسة الحزام العربي كانت تهدف فعلياً الى بناء حزام اجتماعي يقفل او يحاصر الحافة الشمالية، والحافة الشمالية الشرقية من الجزيرة، مقابل الحدود مع تركيا والعراق. وتمت مصادرة الاراضي الكردية وإعطاؤها لعرب، وارسلت العائلات الكردية لتعيش في الداخل السوري، للسماح للعرب بالمجيء، بدلاً منها. وتدعيماً لهذا الحصار العنصري، كان هناك وجود عسكري قوي في هذه المناطق، وقدّمت تسهيلات كبيرة وتقديمات سخية من قبل الدولة لتشجيع الازدهار الاقتصادي في المناطق العربية. 28

وبالطبع، كنتيجة لهذه السياسات، ظهرت احتجاجات عديدة ما بين الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وخاصة ضمن احتفالات النيروز، او ذكرى احصاء الحسكة الذي تم في ١٩٦٢، في غرب سوريا، والذي كانت نتيجته منع الجنسية السورية عن حوالى ١٥٠،٠٠٠ كردي، ومنعهم هم وأولادهم وعائلاتهم من اي حقوق مدنية، مع محاصرتهم في حالة من الفقر والتمييز. واليوم يقارب عددهم ال٣٠٠،٠٠٠.

في ال٢٠٠٤، قام النظام بقمع انتفاضة الاكراد، التي بدأت بمدينة القامشلي، وانتشرت حينها الى مختلف المناطق الكردية في سوريا، في الجزيرة، وعفرين، وحلب ودمشق. واستخدم النظام ايضاً القبائل العربية لضرب احتجاجات الاكراد، في المناطق الشمالية الشرقية، ما زاد من التفرقة ما بين الاكراد والعرب. وأكثر من٢٠٠٠ كردي إما ماتوا او اعتقلوا، بينما تم نفي آخرين غيرهم الى خارج سوريا.

لقد سجل النظام الاسدي في سوريا الكثير من الممارسات الطائفية والعنصرية، ومحاولاته المتعددة تقسيم الشعب السوري، على أساس طوائف واثنيات مختلفة، حملت في نفس الوقت تناقضاً اساسياً. فسياسات الافقار والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لحقت بجميع فئات المجتمع السوري، وخاصة تبعاً للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، التي اتبعها النظام في بداية القرن الواحد والعشرين، ما ادى بشكل ملحوظ إلى التأثير في ارتباط شخصيات وحركات ومنظمات من مختلف طوائف الشارع السوري بالثورة على النظام، وذلك لكون ما يجمع الشعب السوري بمجمل تلاوينه من رفض للنظام ما زال يلعب دوراً اساسياً في بناء خطاب وحدوي، ومواجه للطائفية، بات يبرز بأحد الشعارات والهتافات الاشهر للثورة السورية، وهو «واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد».

فالطائفة العلوية مثلاً لم تكن تختلف بأي امتيازات اقتصادية عن الطوائف الاخرى؛ ولقد كتب حنّا بطاطو، في التسعينيات من القرن الماضي، أن المزارعين العلويين كانوا يحتجون على الحرمان من وسائل الراحة، ومازالوا يعتمدون على الحراثة حتى في ظروف طقس قاسية، بينما محاصيلهم الزراعية كانت تختفي بسرعة، والكثير منهم اضطر الى البحث عن مصادر رزق بديلة. 29 وجبل العلويين، كان ثاني افقر المناطق في سوريا، بعد المناطق الشمالية الشرقية التي يسكنها الاكراد، والحال لم يكن افضل بكثير في المناطق الاخرى من سوريا، نتيجة السياسات النيوليبرالية، وتراجع خدمات الدولة وازدياد منسوبات التضخم الاقتصادي.

الخاتمة

كما رأينا خلال النص، فإن النظام السوري هو المسؤول الاول عن انتشار السياسات الطائفية والعنصرية في المجتمع السوري. فالنظام الاسدي قام، خلال الاربعين عاماً الماضية، بتبني سياسات تهدف الى التفرقة ما بين السكان على اسس طائفية، واثنية، بالاضافة الى القمع الممنهج للحركات الاعتراضية والمعارضات اليسارية والعلمانية، مع سيطرة شبه كاملة على مفاصل الحركة النقابية واسكات اصوات الاحتجاج الاقتصادية والعمالية، التي تستطيع ان توحّد المواجهة ضد السياسات الطائفية. وكلّ هذه الامور شجعت صعود خطاب طائفي، مترافقاً مع صعود اكبر للتيارات المحافظة والرجعية، التي تتبلور اليوم على اشكال الحركات الاصولية والطائفية، كجبهة النصرة، مثلاً. ومن هنا فدور اليسار الثوري لا يكون بالتملّص من الانخراط في السيرورة الثورية، لكونها تحتوي على عناصر رجعية وطائفية، بل بالعكس تماماً، فعلى اليسار ان يواجه، ويبيّن ان مصدر هذه السياسات الطائفية هو النظام نفسه، وان ضرب هذا الخطاب الطائفي لا يمكن ان يتم إلا مع سقوط المروّج الاول للطائفية، وهو النظام، وكذلك وعلى نفس القدر من الاهمية، بالوقوف بحزم ضد العناصر الطائفية والعنصرية من داخل الثورة السورية.

فتخطي الطائفية، كما يقول اسامة مقدسي، «اذا كان ذلك ممكناً، يتطلّب قطعاً آخر، لا يقل جذريةً، بالنسبة للجسم السياسي، عما كان قد تمّ مع صعود الطائفية، بالنسبة للنظام القديم. إنه يتطلّب تعريفاً جديداً للحداثة.» 30

فالنضال ضد الطائفية، هو جزء لا يتجزأ من النضال ضد النظام القائم، ويتطلّب فصلاً جذرياً عن الماضي، وعن السياسات الطائفية والعنصرية. وهذا يتطلب بالاضافة الى مواجهة النظام مواجهة العناصر التي تسعى من خلالها بعض دول الخليج العربي الى قولبة الصراع القائم ضد النظام ليكون صراعاً طائفياً، لتنجو هي بدورها من الموجات الثورية التي تجتاح العالم العربي. فالطائفية يمكن تحطيمها اذا فقط عملنا من اجل الديمقراطية الفعلية، والعدالة الاجتماعية والمساواة، والعلمانية والاستقلال الحقيقي.

إن العلمانية التي ننادي بها ليست منفصلة عن الصراع من اجل الديمقراطية، والاشتراكية، ومواجهة الامبريالية. فنضالنا من اجل العلمانية هو جزء من نضالنا الثوري لتحرير المعتقد من سيطرة النظام والسلطة، من اجل ان يعيش كل منّا معتقداته بحرية، ومن دون قمع او اضطهاد.

وكما يقول احد الاشتراكيين اللبنانيين، في مقال له عن لبنان، وقوله ينطبق ايضاً على الوضع السوري: «فالنضال ضد الطائفية، ليس فقط نضالاً من اجل مجتمع متسامح، بل هو في صلبه صراع طبقي، صراع ضد الافكار المهيمنة في المجتمع، وثقافة التفرقة والطائفية التي تبثها الانظمة. وهو نضال المظلومين ضد الظالمين. ولذلك فإن هذا الصراع لا يمكن ان تخوضه البرجوازية، بل بالعكس تماماً فإن هذا الصراع يجب ان يتم بمواجهة البرجوازية، لكونها المحرّض الاول للطائفية، وهنا اهمية ومركزية الطبقة العاملة، ليس فقط من منحى نظري، بل لكونها رافعة اساسية لنضال الشعب اللبناني بمواجهة الطائفية، والاضطهاد والاستغلال. فخط الدفاع الاول للمجتمع اللبناني بمواجهة الطائفية هو وحدة الطبقة العاملة خارج المنطق الطائفي». 31

هكذا يهتف الثوار السوريون: «الشعب السوري واحد»، و«الحرية طائفتي». وهذا ما يجب أن يكون!

  • 1.– لينين، عن المسألة الوطنية والاممية البروليتارية، في جريدة سوسيال ديموقراط (الاشتراكية الديمقراطية)، العدد ١ – ١٩١٦
  • 2.http://www.lccsyria.org/8848: لجان التنسيق المحلية في سوريا، ١٠ حزيران ٢٠١٢
  • 3.بسام حداد، سوريا، الانتفاضات العربية، العلاقات التجارية والاقتصاد السياسي للنظام السلطوي السوري، انترفايس جورنال، الجزء الرابع، ايار ٢٠١٢
  • 4.حنّا بطاطو، سوريا الفلاحين، المتحدرون من الأعيان القرويين الصغار، وسياساتهم، مطبعة برنستون الجامعية، الولايات المتحدة، ١٩٩٩، ص. ١٧٥
  • 5.اسامة مقدسي، ثقافة الطائفية، مطبعة كاليفورنيا، ٢٠٠٠، ص. ١٧٤
  • 6.محمد القحطاني، القطيف بين ابواق البلاط ورصاص الشبيحة، الثورة الدائمة، العدد ٢، حزيران ٢٠١٢
  • 7.ريموند هينيبوش، سوريا: الثورة من فوق، روتليدج، نيو يورك، ٢٠٠١، ص.٨٣
  • 8.ميشال سورات، سوريا: السلطة البربرية، ١٩٧٩ – ١٩٨٢، المطبعة الجامعية الفرنسية، ٢٠١٢، ص. ١٨٣
  • 9.المصدر نفسه، ص. 55
  • 10.المصدر نفسه، ص. ٢١
  • 11.المصدر نفسه، ص. ٥٩
  • 12.حنا بطاطو، فلاحو سوريا، والمتحدرون من الاعيان القرويين الصغار، وسياساتهم، مطبعة برنستون، ١٩٩٩، ص. ٢٤٥
  • 13.المصدر نفسه، ص. ١٧٤
  • 14.ريموند هينيبوش، سوريا: الثورة من فوق، روتليدج، نيو يورك، ٢٠٠١، ص.٨٣
  • 15.حنّا بطاطو، فلاحو سوريا، والمتحدرون من الاعيان القرويين الصغار، وسياساتهم، مطبعة برنستون، ١٩٩٩، ص. ٢٧٧
  • 16.بسام حداد، سوريا، الانتفاضات العربية، العلاقات التجارية والاقتصاد السياسي للنظام السلطوي السوري، انترفايس جورنال، الجزء الرابع، ايار ٢٠١٢
  • 17.ريموند هينيبوش، سوريا: الثورة من فوق، روتليدج، نيو يورك، ٢٠٠١، ص.٨٣
  • 18.حنّا بطاطو، فلاحو سوريا، والمتحدرون من الاعيان القرويين الصغار، وسياساتهم، مطبعة برنستون، ١٩٩٩، ص. ٢٦١
  • 19.البرنامج الانمائي للامم المتحدة، الفقر في سوريا ١٩٩٦-٢٠٠٤، ٢٠٠٥
  • 20.بسام حداد، سوريا، الانتفاضات العربية، العلاقات التجارية والاقتصاد السياسي للنظام السلطوي السوري، انترفايس جورنال، الجزء الرابع، ايار ٢٠١٢
  • 21.جريدة الحياة، ٥ كانون ثاني، ٢٠٠٦, بيار توماس، البعث والاسلام في سوريا، ب. يو. ف. باريس ٢٠١١، ص. ١١
  • 22.بيار توماس، البعث والاسلام في سوريا، ب. يو. ف. باريس ٢٠١١، ص. ١١٥
  • 23.www.asharqqalarabi.org.uk/ruiah/b-sharq-0612.htm، شباط/فبراير ٢٠٠٧, بيار توماس البعث والاسلام في سوريا، ب. يو. ف. باريس ٢٠١١، ص. ١
  • 24.ياسر نديم سعيد، مقاربة ثنائية (سني – علوي) في الثورة السورية: كيف وصلنا الى المجازر الحالية؟ مجموعة الجمهورية لدراسات الثورة السورية، ٢٨، كانون اول ٢٠١٢
  • 25.انترناشوينا كرايسيس غروب، الصراع المتحول في سوريا، آب ٢٠١٢
  • 26.ميشال سورات، سوريا: السلطة البربرية، ١٩٧٩ – ١٩٨٢، المطبعة الجامعية الفرنسية، ٢٠١٢، ص. ١٨١
  • 27.منظمة العفو الدولية، التقرير السنوي، ١٩٧٣، ١٩٧٤
  • 28.روبيرت لوي، شاتهام هاوس، الاكراد السوريين، اكتشاف شعب، شاتهام هاوس، ٢٠٠٦
  • 29.حنّا بطاطو، فلاحو سوريا، والمتحدرون من الاعيان القرويين الصغار، وسياساتهم، مطبعة برنستون، ١٩٩٩، ص. ٢٢٩
  • 30.اسامة مقدسي، ثقافة الطائفية، مطبعة كاليفورنيا، ٢٠٠٠، ص. ١٧٤
  • 31.باسم شيت، الطائفية والصراع الطبقي، مجلة «كو فار» الفرنسية، العدد 10، كانون ثاني/اذار ٢٠٠٩

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s