الثورة السورية والمثقف – بدر الابراهيم نموذجاً

946281_457396891019238_1816090196_n

نشر في‫:‬الأحد, ايار 19, 2013
الكاتب/ة: زينب نزار مهدي موسى العامل
http://al-manshour.org/node/4004 المصدر‫:‬

مقدمة:
تكمن أهمية نقد مقال بدر الابراهيم‬ في انه يحتوي على منهج تضليلي يستدعي فضحه وتفنيده، ونظرا لما تتعرّض له الثورة السورية من العديد من الانقسامات والرؤى المغلوطة من قبل من يصنفون أنفسهم بالمثقفين والثوريين ومختلف أولئك الذين يحاولون ركوب موجة التغيير. كما أن هناك أسباب مباشرة دفعتنا لنقد هذا المقال منها أن الكاتب يطرح نموذجاً فوقياً، فهو مهما حاول دعم الجماهير الثائرة في ثورتها ضد القمع والاستبداد مع ذلك لم ينجح في إخفاء النزعة الفوقية للمثقف الذي يتبنى دوراً تلقينياً للجماهير ويضع أطروحات حتمية أشبه ما تكون بتنبؤات لا علاقة لها بالتحليل المادي للواقع التي تعيشه تلك الجماهير. فعلى الرغم من أن الكاتب قدّم مقاله على أساس نقد الطائفية والطائفيين ، إلا إن المقال طائفي بامتياز، ووقع صاحبه في ذات المأزق للفخ الطائفي والذي حاول تحذير المثقفين من الانزلاق فيه
وأخيرا إن تعميم التجربة والخبرات النضالية للثورة السورية والتي هي بالغة الاهمية والعمق على مجمل الجماهير العربية الثائرة محلياً وإقليمياً، هي ضرورة ملحّة في هذه المرحلة الراهنة

المثقف والثقافة الثورية
يستهلّ الكاتب مقاله بالحديث عن الأنظمة التي فشلت في إيجاد هوية جامعة لمواطنيها وإن هذا الفشل قد ساهم في ظهور الإشكالية الطائفية، ونريد هنا أن نتساءل: منذ متى نجحت الأنظمة في إيجاد هوية تجمع مواطنيها؟؟ الحقيقة أن العديد من المثقفين المحليين مُغرمين بهذا الطرح العائم، على اعتبار أن إشكالية الانظمة المستبدة هو عدم إيجاد هوية جامعة لكل مواطنيها – إذا هي مجرد أزمة مواطنة! وكل الأزمات الجوهرية التي تجذرها الأنظمة الرأسمالية على اختلاف مراحلها هي إشكاليات ثانوية، بينما استراتيجية الطبقة المسيطرة هي تجذير الشوفينية: (الولاء المطلق للدولة – المبالغ فيه) وكون هذا الانتماء هو محور التعاقد الهزلي بين المواطن الأعزل والنظام المستبد، ويستمر تناقض الكاتب في حديثه عن الطائفية وتسييس المذاهب عندما ذكر تحديدا: أن هذه الجماعات المذهبية في حالات التأجيج الطائفية تتحوّل إلى بيادق بيد قوى إقليمية ودولية – بينما الطائفية في الواقع هي بيدق للقمع والاستبداد تستخدمها السلطة ضد الجماهير. أيضا ورد في المقال: “حين زال غطاء الاستبداد أو ضعفت سلطته المركزية في هذه المجتمعات، ظهرت أمراض ساهم الاستبداد في صناعتها”. وهنا نطرح تساؤلا ساخرا: هل وجود الاستبداد ظاهرة صحية أم سلبية؟ كيف يكون الاستبداد الذي ساهم في صناعة الطائفية هو نفسه يساهم في منعها من الظهور بشكلها الراهن؟! – حقيقة أن الكاتب هنا يقع في أعنف تناقض ثقافوي-

وعلى الرغم من انتقاد الكاتب للأنظمة المستبدة، إلا أنه في نفس الوقت أورد علاقة السيادة والدولة بتحقيق التوافق الطائفي وخطر القوى الخارجية في زعزعة هذه الصورة المثالية، بينما وجود سيادة الطبقة المهيمنة في إطار الدولة هو نتاج التناقض الطبقي الذي يُفرز شتى أنماط الاستبداد ومن بينها الطائفية والعنصرية والتمييز ضد المرأة

هناك نزعة أيديولوجية لدى المثقفين المحليين تتضح من خلال استخدامهم للغة مضللة تعج بالمصطلحات الرنانة التي تُوظّف ضد الجماهير وتلعب دوراً رجعياً كأداة للطبقة المسيطرة. نحن نؤمن أنه لا يوجد مثقف خارج المجتمع وبالتالي لا توجد ثقافة مجردة. ومن أبرز المصطلحات التي استخدمها الكاتب: “التحريض الشعبوي” واستخدام هذا المصطلح هو بالضبط لانتقاص وتسفيه الوعي الجماهيري من منظور نخبوي يرى في حراك الجماهير نتيجة لموجات انفعالية تؤدي “للفوضى والخراب” ويتبنى أيضاً العديد من المثقفين ومن بينهم الكاتب، نهجاً مسبقاً في تحليل السيرورات الثورية وحتمية مصيرها ، فالثورة السورية على سبيل المثال: “إما حرب أهليّة أو دولة طالبانيّة”! ومن المصطلحات المكررة في المقال، هو مصطلح: “المكارثيّة” وهنا ينزع الكاتب المصطلح من سياقه ليسقطه على الفصائل الثورية المسلحة، بينما هو مصطلح تبنته القوى الامبريالية لقمع الحراك الشعبي في خمسينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، ولقد استخدم الكاتب نفس المصطلح في مقال آخر عندما وصف العلاقة بين أبواق الانظمة والشعوب ، بأنها ممارسات “مكارثية” بمعنى انتهاج التخوين لأي اصلاحي أو ثوري ضد النظام. إذا، نرى أن هذا المصطلح المطاط قد تعددت استخداماته وأصبح يناسب كل حادثة وكل موضوع، وتم إسقاطه بعشوائية على الثوّار من الفصائل المسلحة في الثورة السورية

لقد فنّد الكاتب مساحة واسعة للحديث عن الأخلاقيات والقيم في الثورة، فبالرغم من انتقاده للتحليل الأخلاقي للثورات إلا أنه عاد واستخدم طرحاً أخلاقياً متهافتاً. وهنا نتفق على أن الثورة ليست مجرد صراعاً كلاسيكياً بين الخير والشر، كما أنها ليست مجرد صورة مثالية توهمها الكاتب بل هي سيرورة مليئة بالصراعات والانتكاسات والاخطاء والتجارب التي تخضع لمختلف التكتيكات والاستراتيجيات الثورية، ويتزامن ذلك مع مختلف عناصر الثورة المضادة على مختلف أشكالها. كما قال لينين: “إن من يتوقع ثورة اجتماعية «محضة»، أو «نقية»، لن يحيا أبدا حتى يراها. فمثل هذا الإنسان يثرثر بكلمة الثورة، من دون أن يفهم معناها”. إن هذا لا يعني إغفال أي ممارسة خاطئة أو موقف خاطئ أو حتى جريمة من قبل القوى الثورية، بل كل ذلك يتوجّب النقد الصارم والتصدي له بحسم عبر الشارع واللجان الثورية. لكن هنا يجب أولاً أن نحدد القوى الثورية من هي؟؟ هل جبهة النصرة تُعتبر من القوى الثورية أو من القوى المضادة للثورة؟! هل الإرهاب والقمع والتفجير هو سلوك وممارسة ثورية أم إنها معادية ونقيضة للثورة؟!

لقد انتقد المناضل السوري جوزف ضاهر جبهة النصرة‬ قائلا: “إن نضال الملايين من المظلومين السوريين هو الذي يسمح بإسقاط النظام وليست العمليات الانتحارية أو الأيديولوجية الرجعية والطائفية لجبهة النصرة أو المجموعات الشبيهة بها، فهذه الأخيرة تعمل على تقسيم الحركة الشعبية وتمزيقها ويضعف كفاحنا. لا شك بأن تنسيق قسمي المقاومة الشعبية، السلمية والمسلحة، أمر أساسي على طريق النصر”. (1)

إن اشكالية الثقافة المحلية المفخخة وممثليها من المثقفين النخبويين أنهم يتحدثون عن الأخلاق بمعزل عن إشكاليات الواقع وتناقضاته، فهنا يتحدث الكاتب عن أنه ليس بالضرورة أن يكون المظلوم أخلاقياً! إذا، وبناء على منطق الكاتب ليس بالضرورة أن يكون الظالم لاأخلاقياً! وإن الفعل السياسي الناتج عن الثورة أيضا ليس بالضرورة أن يكون اخلاقياً، بل يعتمد على المشروع الثوري، في نفس الوقت هو داعم للانتفاضات العفوية التي لا تملك مشروعاً واضحاً – إذا، كيف نصنف تلك الانتفاضات اخلاقياً!؟ إن دعوات التمسك بالأخلاق والتحليل المجرّد لها في واقع لاأخلاقي بالأساس هي دعوات للعبودية والاستسلام كما وصفها تروتسكي، إذا، كيف تنشأ تصوراتنا الأخلاقية؟ إن الاستبداد المادي والمعرفي هو أيضاً استبداد أخلاقي بالضرورة ونحن لا نغفل البعد الأخلاقي وأهميته في الصراع، إلا أن الصراع لا يمكن اختزاله في التناقض الأسطوري بين الخير والشر بل هي علاقة جدلية يحكمها الصراع الطبقي بكل مكوناته الأيديولوجية والمادية. إن الكاتب يغفل البعد الأخلاقي الناتج عن الوعي الجماهيري في الثورة السورية، فروح التضامن على سبيل المثال هي ظاهرة تُناقض تماماً ما يطرحه الكاتب من تعميم للطائفية في الصراع حيث رُفعت العديد من الشعارات التي تناهض الطائفية في مختلف المناطق، فعلى سبيل المثال: “الأسد يريدها طائفية لكننا لن نحارب سوى طائفة واحدة هي طائفة الإجرام”، “في سوريا الحرة المرأة إلى جانب الرجل يداً بيد لبناء مجتمع متكامل قائم على المواطنة والمساواة و العدالة الاجتماعية”، “إلى كل المتشدقين، أغلق فمك إذا كانت كلماتك طائفية، سوريا لكل السوريين”. هذه الشعارات تعبّر عن وعي ثوري ذي بعد أخلاقي لدى الجماهير الشعبية، ويقابله أيضاً العديد من البيانات المناهضة للطائفية لدى بعض الفصائل المسلحة والجيش الحر، و هو ما سنتناوله لاحقاً بالتفصيل في هذا المقال

إن الوعي الجماهيري ديناميكي، وليس وعياً منجزاً وصنمياً كما يتوهمه الكاتب، بل إن الممارسة الثورية تساهم في تكوين الوعي وتطويره فكما قال غرامشي: “لا يمكن الإصرار على تدريب (الجماهير) بشكل ميكانيكي على النضال، بل ينمو الوعي بدوره في علاقة مباشرة مع التجربة العملية للنضال”. وعلى سبيل المثال، تعالت الكثير من الهتافات والشعارات الداعمة للتدخّل الخارجي في بداية الثورة لكن مع تجذّر السيرورة الثورية أصبحت الجماهير الثائرة ترفض هذا التدخّل، و هناك العديد من الأمثلة على ذلك (*): من بينها هتافات في الزبداني – “بلا أوباما بلا رومني.. الثورة مستمرة والشعب السوري عصامي”، وفي يبرود: “لا نريد دعما أميركيا يتنكر للجولان وفلسطين”، وأيضاً: “لن نقبل بالدعم المشروط نريد استقلالية القرار السوري”

وعودة إلى مقال الكاتب بدر الابراهيم نجد فيه طرحاً تشفيرياً لمجريات الأحداث الثورية المناهضة للطائفية حتى ساعة كتابة هذا المقال، فالكاتب في مقاله يُهمّش الحركة الاحتجاجية على اعتبار أنها تلاشت بظهور الفصائل المسلحة.

الثورة والإرهاب:
يتعرّض الكاتب في مقاله لكل من مفهوم الثورة والإرهاب بخلط اعتباطي، فالثورة بالنسة له “فعل تمرّد على المنظومة القائمة يقوم به مجموعة من الناس من خارج هذه المنظومة بهدف تغييرها” ومن خلال توصيفه هذا فهو يعتبر أي “متمرد هو ثائر” وينطبق ذلك على أعضاء تنظيم القاعدة باعتبارهم “ثوّار على النظام الدولي” وبالتالي فإن هذا التوصيف لا يضفي أي “قيمة أخلاقية أو ايجابية إنما هو توصيف لفعل التمرد”، إذا; هنا يستدعي أن نعرّف الثورة: ما هي الثورة؟ هل هي أي نمط من أنماط التمرّد؟

إن الثورة هي نسف لعلاقات البنية الاجتماعية السائدة، وإسقاط لآليّة الدولة التي هي انعكاس للسيادة الطبقية لتلك العلاقات، هي هدم النظام الطبقي عبر التحكّم الذاتي للطبقة العاملة لوسائل الانتاج وإلغاء كل الامتيازات الفئوية والفوارق الطبقية والملكية الخاصة – هي العدالة الاجتماعية، وكما وصفها الناقد الماركسي الألماني والتر بنجامين في “أطروحات حول فلسفة التاريخ”، “الثورة ليست نتيجة معينة لتقدم البشرية عبر زمن فارغ متجانس. بل هي (وثبة نمر إلى الماضي) تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة. واختتم بنجامين فكرته بالإشارة إلى التراث اليهودي المسيحي، الذي جاء فيه أن كل ثانية من الزمن بمثابة بوابة ضيقة قد يمر منها المسيح، وبعبارة أخرى، الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ الأمامية، بل إنها انفجار مفاجئ غير متوقع، في تاريخ يمثل كارثة واحدة، يتراكم داخلها الحطام فوق بعضه البعض”. وكما قال المناضل الثوري باسم شيت: “الثورة هي ليست حالة نفسية فردية، لأن ليس الأفراد من يصنع الثورة بل إن الجماهير هي من تقوم بذلك” وبالفعل فالثورة لا تهدف لإسقاط نظام حاكم فقط بل تُسقط في سيرورتها كل العلاقات المبنية على استغلال الإنسان للإنسان وتسقط ثقافة الخوف والخضوع والاستسلام كما تُحدث الثورة تحوّلات جذرية في وعي الجماهير. أما الإرهاب الذي تحدّث عنه الكاتب فهو مختلف كل الاختلاف عن المنهج والتكتيك الثوري، فالعمل الارهابي يتناقض كلياً مع العمل الجماهيري حتى في مراحل التسلّح الجماهيري في الثورات، بل كلما زادت وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضعُفت بالتالي الحركات الإرهابية حيث يعبر الإرهاب عن اليأس بينما تُعبّر الثورة عن الأمل. إن الارهاب ينتعش في المراحل التي تتراجع فيها الحركة الجماهيرية، فالتنظيمات الإرهابية ومن بينها تنظيم القاعدة الذي أورده الكاتب في المقال هو إرهاب منظّم أفرزته همجية الرأسمالية، هذا السياق يقودنا إلى تعريف مفهوم العنف وعلاقته بالثورة والارهاب ، فهل العنف خيار كما يزعم بدر الابراهيم عندما قال: “فالثورة كمفهوم كما وضحناه لا يشترط السلمية، لكن السلمية هي الخيار الأسلم باعتبار أن الدولة هي التي تحتكر العنف، وهي أفضل خيار ثوري في مجتمعاتنا لأن استخدام السلاح قد يذهب بهذه المجتمعات المتنوعة والمنقسمة إلى الفوضى”.؟! وهنا نقول إن تغيير المجتمع تغييراً جذرياً يتطلّب منّا استخدام كل الوسائل المشروعة ومن ضمنها المسلحة لاقتلاع الطبقة المستفيدة من الاستغلال والاستبداد – ونحن هنا نعني اقتلاعاً جذرياً لأن الطبقة الحاكمة لن تتخلى عن مصالحها ولن تتنازل عن امتيازاتها بالسلم، بل تحتاج إلى حراك ثوري يرغمها على التنازل عن موقعها الاجتماعي

إن العنف هو ليس بالغاية، بل هو مثل الحاضنة التي تساعد الأم لإخراج الطفل أثناء الولادة – العنف هو ليس الطفل بل الحاضنة، ليس النتيجة بل الوسيلة. ونحن هنا نعني عنف الأغلبية المضطهدة ضد الأقليّة التي تعتاش على الاضطهاد والظلم والاستغلال والتمييز الجنسي والعرقي. في الحديث عن العنف هنا، لا نقصد ولا نروّج بأي حال من الأحوال للعنف الفردي أو العشوائي، بل نتحدّث عن التنظيم الجماهيري والتسليح كما هو موجود في النموذج السوري وهو ليس بالمرحلة الاختيارية بل نتيجة حتمية للمجازر والمذابح التي ارتكبها النظام السوري الفاشي، إن العنف الفردي والتخريبي هو ظاهرة سلبيّة وتشوّه الثورة ولها تبعات رجعيّة: هي عبارة عن ترويج لمنهج مغلوط لن يفيد الجماهير المضطهدة، إن منطق الإرهابيين: “أجلسوا مكانكم .. نحن سنستخدم السلاح ونحصل على حقوقكم وأنتم في منازلكم”، بينما إذا لم يشارك الفرد في الحراك الثوري لن يتمكن من تغيير المجتمع، إن الحراك الثوري له تبعات ثوريّة على الوعي الجماهيري ولا يمكن استبداله بعصابات أو ميليشيات إرهابية والعنف العشوائي والفردي والإرهابي لا يساهم في توسيع رقعة وكثافة الاحتجاجات، بل يساهم في خلق حواجز للخوف والتردد في المشاركة وله آثار سلبيّة، وتستطيع الدولة أن تقضي عليه بسهولة نظراً لميزان القوى الذي لا يُحسب للإرهابيين بل يُعتبر عائقاً تكتيكياً ومنهجياً في الحراك الثوري. إذا، هناك أصناف متعددة من العنف يجب إدراكها وفهمها، هناك العنف الممنهج الذي تتبعه الدولة الفاشية في مجازرها ومذابحها ضد العُزل والأبرياء والذي له تبعات تخريبية لا يمكن السكوت عنها أو تبريرها، وهناك العنف الضروري الذي يحدث أثناء الثورات وهو مرحلة لا يمكن تفاديها بل يجب التنظيم والاستعداد لها. قال الشهيد مهدي عامل: “إن الثورة ليست لفظاً أو تجريداً إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الارض، وكيف تكون الثورة نظيفة وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر متسّخة به تهدمه وتغتسل بوعد أن الانسان جميلاً حراً.”

واقع الثورة السورية:
تعمّد الكاتب في تحليله لواقع الثورة السورية اختزال الحركة الثورية في مجموعة من الممارسات الطائفية للفصائل المسلّحة (السنيّة) متجاهلا جذور الطائفية في النظام السوري، وكأن الطائفية ظاهرة طارئة استجدّت بعد الثورة وليس كما هي في الواقع لها جذور مادية ممتدة في البنية الاجتماعية التي خلقها النظام. فبدر الابراهيم يُسلّم بأن النظام السوري نظام استبدادي دون الدخول في التفاصيل، فالفصائل المسلّحة هي ما تستوجب النقد بالتفصيل من منظور الكاتب، بينما النظام السوري الفاشي الذي له تاريخ من الاستبداد لا يستدعي الدخول في تفاصيل منظومة الاستبداد هذه على اعتبار أنه تجاوز إشكاليات النظام، وعلى ذلك وبأستخدام منطق الكاتب قد يستطيع أي أحد أن يتجاوز إشكاليات الثورة بحكم أن لكل ثورة تعقيداتها! لكن نحن لا نغفل لا الأول ولا الثالي

إن من مصلحة نظام الأسد تأجيج الصراع الطائفي سواء على الصعيد الجماهيري أو على صعيد الفصائل المسلّحة بتصوير الثورة على أنها مجرد محاولات للإسلاميين المتطرفين لإسقاط النظام العلماني. وهنا يجب أن نوضّح: إن وجود جماعات إرهابية مثل جبهة النصرة ما هو إلا نتاج للقمع الطائفي الذي انتهجه النظام منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما نرى من خلال المقال إن الكاتب عممّ الإرهاب على كل الفصائل المسلّحة المختلفة وكأنها أصبحت مختزلة في جبهة النصرة أو منظمات منافسة لها وهذه مغالطة لا يمكن السكوت عنها بل تحتاج إلى تحليل جذري لمختلف هذه الفصائل. نبدأ بداية بالجيش الحر الذي انتقده الكاتب على اعتبار أنه يتلقى تمويلا أميركياً/ إمبريالياً عبر مجموعة أسستها المخابرات الأميركية تسمى (مجموعة الدعم السورية) التي حصلت على ترخيص في صيف 2012، وهنا يجب ينبغي الرجوع إلى جذور الجيش الحر وكيفيّة تكوينه. إن الثورة الشعبية تُرغم الطبقة الحاكمة وكل مؤسساتها على التفكك والانقسام نظراُ لأن شرائح كبيرة ممن يعملون في هذه المؤسسات تتناقض مصالحهم مع مصالح الطبقة الحاكمة فتنضمّ هذه الشرائح إلى صفوف الثوّار وهذا بالضبط ما حدث في الثورة السورية ، فلم يكن غياب مفاجئ للجماهير في الشارع هو ما أدى لظهور فصائل مسلّحة بل نشأ الجيش الحر ليس من انقسام الجيش فحسب، بل من انخراط للجماهير في المقاومة الشعبية المسلّحة. فالجيش الحر يتكوّن من الجنود المنشقّين عن الجيش النظامي، ومن المجموعات الأخرى من البرولتاريا والطبقات الوسطى المهمّشة في المدن والأرياف. إذا للجيش الحر جذور شعبية ويسعى لتنظيم وتوحيد مختلف القوى الشعبية على الأرض. وعلى سبيل المثال: تشكّل اتحاد المقاومة المدنية (يو ار سي) في اغسطس 2012 كفرع للجيش الحر لتوحيد جهود المقاومة المدنية في العديد من المناطق وأثمرت هذه الجهود على تشكيل (جبهة تحرير سوريا) كمنظمة تضمّ كتائب مختلفة: مثل كتيبة انصار الاسلام في دمشق، وكتائب صقور الشام في إدلب وحماه، والمجلس الثوري في دير الزور. إن منظمة شعبية لها جذورها كالجيش الحر والذي هو تنظيم لا مركزي. إذا، كيف يمكن له تلقي دعماً من القوى الامبريالية؟!

لا شكّ أن هذا الموضوع يثير العديد من التساؤلات تجاه مصادر التمويل للجبهتين – النظام السوري وهي الجبهة التي أغفلها الكاتب تماماً، بينما هي جبهة يتم تمويلها من قبل قوى كبرى‬ (لقد استورد النظام أسلحة تقليدية خلال السنوات الخمس الماضية من 2008 – 2012 ما معدّله 71% من روسيا و14% من إيران و11% من دولة بلاروسيا (2).) وأخرى ذات أبعاد سياسية وطائفية مثل حزب الله الذي يرسل مقاتليه للقتال إلى جانب قوات الأسد، أما الجبهة الثانية، الجيش الحر فهي تموّل ذاتياً من الكادحين الفقراء والمناصرين للثورة الشعبية وهي تعاني من شحّ ونقص في التمويل ولا تحصل على معظم السلاح إلا عبر الاستيلاء على مستودعات السلاح للجيش النظامي لذلك لا تملك إلا عتاداً خفيفاُ مقارنة بالنظام المدجج بالسلاح، ونذكر هنا سبيل المثال كيف قامت مجموعات الجيش الحر في داريا‬ على تأسيس صندوق مالي واحد تصبّ به كافة التبرعات والمساعدات التي تصل إلى المدينة ويقوم المجلس المحلي بالإشراف على هذا الصندوق ويقسّم الدعم على الكتائب وتمويل عمليات الإغاثة والمساعدات اليومية على السكان (3)، وهذه تجربة عُممت على اكثر من منطقة عبر اللجان التنسيق المحليّة. ومن اللافت أيضا أنه لا يوجد أدنى ذكر لهذه التنسيقات في مقال بدر الابراهيم على الرغم من أنه ذكر العديد من الكتائب والتنظيمات المختلفة، لا شك أن إغفالها نتيجة حتمية للثقافة الأيديولوجية المضللة التي يتبناها الكاتب!! أما بخصوص مزاعم الكاتب حول أسلمة شتى الفصائل المسلحة وعلى رأسها الجيش الحر فهي مزاعم غير صحيحة وهناك عدة أدلة لنقضها: منها على سبيل المثال وثيقة عهد لعناصر الجيش الحر التي ورد في مادتها التاسعة والتي يتعهّد بها كل مقاتل في صفوفها: “بعدم ممارسة أفعال انتقامية على أساس العرق أو الطائفة أو الدين أو على أي أساس آخر، وبالامتناع عن أي ممارسات مسيئة بالقول أو الفعل لأي من قطاعات الشعب السوري”. وفي المواد الأخرى رفضت أي ممارسة من التعذيب أو السلب وما الى ذلك من تلك الممارسات التي تُسيء للثورة‬ (4). وفي رسالة مفتوحة إلى جماعة الإخوان المسلمين صادرة عن القيادة المشتركة للجيش السوري الحر‬ حيث تنتقد الرسالة سلوكيات الجماعة ومحاولاتهم للهيمنة على المجلس الوطني والائتلاف والركوب على الثورة وتحالفهم مع الأمبريالية على حساب الثورة السورية، كما انتقدوا في الرسالة ذاتها مصادر التمويل لجماعة الاخوان حيث معظم المساعدات لا تصل للشعب السوري بل تحتكرها الجماعة (5). هذه الرسالة تُفنّد أيضا ادعاءات الكاتب بأن الجيش الحر والمجلس الوطني يُشكلان محوراُ واحداُ!

نود ان نذكر هنا نقطة جوهرية بخصوص الطرح الذي تبناه الكاتب حول قدسية الثورة وعدم وجود انتقادات وإدانات لشتى أنواع الممارسات الخاطئة وبأن الطرح الثوري هو مجرد مزايدات طائفية للدفاع عن الثورة بينما في الحقيقة هناك أمثلة كثيرة عن النقد الذاتي لدى الثوار على مختلف فصائلهم: فلجان التنسيق المحليّة استنكرت في بيان لها التدخّل السافر لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري ودعوته لإقامة دولة إسلامية في سوريا (6). كما إن تسيّد جبهة النصرة لمجريات الأحداث والذي يتحدّث عنه بدر الابراهيم، هو في الواقع ينم عن افتقار الكاتب لأدوات التحليل المادي لواقع الثورة السورية وعلى محاولاته المبطّنة للتشكيك في نزاهة الثورة، فها هي جماهير الرقّة ونشطاء المجتمع المدني التي خرجت في مظاهرة غاضبة احتجاجاُ على ما قامت به جبهة النصرة‬ من إعدام ثلاثة ضباط أسرى في ساحة الساعة بالرقة رافعين شعاراُ: “لا سنيّة ولا علويّة .. ثورتنا الحرة مدنيّة” (7)

إن موضوع التمويل الخارجي لفصائل الثورة السورية هو في الحقيقة موضوع يطرح العديد من التساؤلات المختلفة ويتطلّب تحليلاُ للمواقف الرسمية، فعلى سبيل المثال: التمويل الخليجي – ليس من المنطق أن لا وجود لأي تمويل، وأيضاً ليس من المنطق وجود التمويل هو بالشكل المضخّم والمطلق الذي يتحدث عنه الكاتب، ومن مصلحة هذه الانظمة أن تدعم القوى الرجعية والفصائل الاسلامية لتحجيم الثورة وإنهاء سيرورتها ، فيوجد دعم – ليس دعماً عاماً، بل حتى هذا الدعم الانتقائي تناقص في الآونة الاخيرة مع تصاعد التصريحات السياسية خصوصاً في السعودية حيث رأينا العديد من الفتاوى الرجعية التي تتخلى عن موقفها في تحوّل دراماتيكي عن ما كانت عليه في بداية الثورة، كما يتعرّض كل من يساهم في تنظيم أي شكل من أشكال الدعم الانساني للثورة الى المساءلة والتحقيق

الخلاصة:
إن ما تتعرّض له الثورة السورية من تشويه على المستوى المحلي خصوصاُ من أولئك الذين عاشوا أبشع أنماط المعايير المزدوجة تحت ظل انظمة استبدادية وطائفية من الطراز الأول، هم أنفسهم يتعاطون مع الثورة السورية بازدواجيّة. إن المثقفين المحليين بغض النظر عن أيديولوجياتهم المختلفة يمارسون تسطيحاً كاملا للوعي الثوري الجماهيري، على غرار الكاتب بدر الابراهيم الذي يأخذ جانب مناهضة الطائفية عبر ذات الأيديولوجية الطائفية نفسها! وذلك واضح تماما بمجرد تحليل هذا المقال وتفكيكه. ونحن بخلاف هذه الثقافة المحلية التي تحدد سلفاً خيارات الثورة الاجتماعية وتختزلها في حل سياسي أو حرب أهلية، نرى أن الثورة في سوريا بالذات هي ثورة اجتماعية لم تجر مجرى الصراع الطائفي رغم كل محاولات النظام وقوى الثورة المضادة لتطييفها. ولكن ذلك الفكر المنبثق من الطابع البرجوازي لا يستطيع فهم وتحليل السيرورة الثورية لأنه في الحقيقة لا يملك أدوات انتاج معرفة هذه السيرورة وديناميكياتها

قال الرفيق الشهيد مهدي عامل: “فلتتوضّح كلّ المواقف ولْتتحدّد كلّ المواقع ولْتكن المجابهة في الضّوء! إن من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية في أي بلد من عالمنا العربي وعلى امتداد أرض الإنسان. من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقف مزيف وثقافته مخادعة مرائية!”

الهوامش:
(*) مظاهرات بستان القصر، 175\2013، مظاهرات الشباب السوري الثائر – ركن الدين، 284\2012، تنسيقية التآخي الكردية، 16\11\2012، “سوريا للأحرار لا ظواهري و لا بشار”، مظاهرة في عربين 175\2013

(1) جوزف ضاهر، موقف وتأملات حول جبهة النصرة وأشباهها، 19\11\2012
(2) غياث نعيسة، تسليح المقاومة الشعبية في سوريا 273\2013
(3) مقال نُشر في 02\2013، “عوامل صمود داريا نموذج يُحتذى في العمل العسكري”
(4) الخط الامامي، 08\2012
(5) رسالة مفتوحة الى جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، 04\11\2013
(6) بيان لجان التنسيق المحلية: 04\2013
(7) مظاهرة في حي الرقة، 15/05/2013

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s