سوريا: التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، الانعكاسات والنتائج

1385550_609335385772555_493383125_n

الكاتب/ة: جوزف ضاهر

ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو
المصدر‫:‬ L’Anticapitaliste

الثورة الشعبية في سوريا بدأت نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. وهذه التغيرات تندرج في سياق السيرورة الإقليمية والعالمية لتطبيق السياسات النيوليبرالية منذ ذلك العقد

برجوازية حلب ودمشق أثنت ورحبت بذلك بفرح كبير، بدأ حافظ الأسد ببناء شبكة من الولاءات الاقتصادية خاصة، تتألف من شخصيات من طوائف وأعراق وعشائر متعددة، فوضع حدا للسياسات الراديكالية التي اتخذت في الستينيات، والتي كانت قد أزعجت السلطة السياسية للبرجوازية. الأسد أرضى القطاعات الأقوى- كبار التجار، وكذلك المصانع الكبرى، المتركزة خاصة في دمشق وحلب، بالإضافة إلى ملاك الأراضي الواسعة- حيث استمر نفوذهم بالنمو داخل النظام، كما ساعد على إشراك البرجوازية الجديدة التي شجعها على النمو داخل أجهزة الدولة نفسها

خلال ثلاثين عاما، اعتمد حافظ الأسد سياسة اللبرلة الاقتصادية البطيئة المختلطة مع الفساد، مسببا عدة نكسات اقتصادية جرى حجبها بفعل – عائدات النفط- والمعونات التي كانت تقدمها ممالك وإمارات الخليج. عام 1986، تعرضت العملة الوطنية لأزمة وكان ذلك دليلا على ترسخ الشبكات الاقتصادية التي بناها النظام. عام 1991، سيطرت هذه الشبكات على قطاعات واسعة من الاقتصاد

هذه “الطبقة الجديدة” المرتبطة عضويا بالنظام، كانت بحاجة لاستثمار ثرواتها في قطاعات مختلفة من الاقتصاد. فصدر المرسوم رقم 10 عام 1991 الذي كان وسيلة لـ”غسل” أموالها المتراكمة. فقد عزز هذا المرسوم وشجع على الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي في القطاعات التي كانت لا تزال حكرا على القطاع العام، كصناعة الأدوية والزراعة والصناعات الزراعية والفنادق والنقل (1). وسهل فرص الاستثمار في القطاع الخاص وفتح المجال أمام عمليات الاستيراد والتصدير من خلال خفض الضرائب وتقديم حوافز ضريبية أخرى، وإن كانت لا تزال تحت سيطرة النظام، وبالتالي ساعد على إثراء أعضائه المحظيين وعمق نظام الفساد على نطاق واسع “رأسمالية المحاسيب”

شهدت التسعينيات ظهور “طبقة جديدة”- طبقة من الأغنياء أو برجوازية هجينة- ناتجة عن الاندماج بين بيروقراطية الدولة والناجين من البرجوازية القديمة “الخاصة”. ونشأت العديد من الاحتكارات في يد عائلة الأسد، وعلى ما يبدو فإن رامي مخلوف (ابن خال الديكتاتور بشار الأسد) سيطر عشية بدء الثورة عام 2011 على ما يقارب 60 بالمئة من اقتصاد البلاد (2)

انخفضت نوعية السلع والخدمات خاصة في مجال الصحة والتعليم حيث زاد عدد المؤسسات الخاصة، في حين نما القطاع المصرفي منذ عام 2004، عبر المصارف الخاصة الأولى التي يسيطر عليها رأسمال سوري وخليجي، وشركات التأمين، وبورصة دمشق بالإضافة إلى مكاتب الصيرفة

وقد أدت السياسات النيوليبرالية التي نفذت خلال العقد الماضي إلى انهيار القطاع العام وساهمت في هيمنة القطاع الخاص، الذي يمثل حوالي 70 بالمئة من النشاط الاقتصادي (3). حيث أرغم الشعب على اللجوء إلى القطاع الخاص الأكثر تكلفة، للحصول على الخدمات الأساسية

وارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 120 مليون دولار عام 2002 إلى أن وصلت عام 2010 إلى 3.5 مليار دولار، خاصة في مجال التصدير وقطاع الخدمات، السياحة بشكل خاص (4). أكثر من ذلك، عمل النظام على “إصلاح” نظام الدعم، من خلال معاقبة الطبقات الشعبية والأكثر فقرا، وتضاعفت، في الوقت عينه، الخصخصة. وانخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي والدخل الحقيقي للفرد منذ بداية التسعينيات. وعشية بدء الثورة في آذار 2011، وصل معدل البطالة 14.9 بالمئة بحسب الأرقام الرسمية- تشير مصادر أخرى إلى أنها تراوحت بين 20 و25 بالمئة، وقد بلغت نسبة البطالة 33.7 بالمئة و39.3 بالمئة على التوالي للفئة العمرية 20-24 سنة وللفئة العمرية 15-19 سنة (5). عام 2007، بلغت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 33 بالمئة، أي ما يعادل 7 ملايين مواطن سوري، في حين كانت نسبة 30 بالمئة منهم أعلى بقليل من هذا الخط (6). وترتفع نسبة الفقراء في المناطق الريفية إذ تبلغ 62 بالمئة في حين بلغت نسبتهم في المناطق المُدنية 38 بالمئة. الفقر أكثر انتشارا ورسوخا ووضوحا (58.1 بالمئة) يتركز في الشمال الشرقي والغربي (محافظات إدلب، وحلب، والرقة ودير الزور والحسكة)، حيث يعيش 45 بالمئة من السكان (7)

النمو الاقتصادي في سوريا، الذي كان بمعدل 5 بالمئة في السنوات التي سبقت الثورة، لم تستفد منه الطبقات الشعبية، إنما ازدادت الفروقات الطبقية. على سبيل المثال، بين عامي 1997 و2004 ارتفع معدل جيني من 0.33 إلى 0.37. عامي 2003-2004، كان 20 بالمئة من السكان الأكثر فقرا يساهمون بـ7 بالمئة من مجمل الإنفاق، في حين ساهم 20 بالمئة من السكان الأكثر غنى في 45 بالمئة من إجمالي الإنفاق (8). هذا الاتجاه استمر في النمو حتى اندلاع الثورة

في القطاع الزراعي، ومنذ عام 2008 خصخصت الأراضي على حساب مئات الآلاف من المزارعين في شمال شرقي البلاد بذريعة الجفاف. في الواقع تزايد عدد الشركات الزراعية الكبرى وتكثف استخدامها للأراضي، كما استخدمت الأراضي المخصصة للرعي، وحفرت آبارا ارتوازية دون ترخيص، ومُدَت لها أنابيب المياه للاستجابة لمتطلبات أصحاب الأراضي الزراعية الجدد، كل ذلك ساهم في زيادة فساد الإدارات المحلية وقد ترافق ذلك مع تفاقم الأزمة الزراعية. عام 2008، عمل 28 بالمئة من المزارعين في 75 بالمئة من الأراضي المروية، في حين كان 49 بالمئة من المزارعين لا يملك إلا 10 بالمئة منها. الأمر الذي يدل على عدم المساواة داخل القطاع الزراعي (9)

غياب الديمقراطية وإفقار قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وفي ظل مناخ من الفساد وزيادة الفروقات الطبقية، كل ذلك مهد الطريق أمام الثورة الشعبية، التي كانت تنتظر مجرد شرارة

مصادر:
(1) Bassam Haddad, Business Networks in Syria, the Political Economy of Authoritarian Resilience, Stanford Californie, Stanford University Press, 2012, XIV.

(2) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سوريا: جدلية الجمود الإصلاح، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012

(3) Bassam Haddad, Business Networks in Syria, the Political Economy of Authoritarian Resilience, Stanford Californie, Stanford University Press, 2012, 20

(4) القطاع السياحي أصبح مزدهرا، حيث مثل 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما مقداره 6.5 مليار دولار، وعمل فيه 11 بالمئة من اليد العاملة عام 2011. وقد تعرض هذا القطاع لخسائر فادحة منذ بدء الثورة في آذار2011 FIDA, République arabe syrienne, programme d’options stratégiques pour le pays, 2009 Décembre,http://www.ifad.org/gbdocs/eb/98/f/EB-2009-98-R-22.pdf

(5) مكتب الإحصاء المركزي، دمشق (http://www.cbssyr.org/).

(6)UNDP, Syrian Arab Republic, Third National MDGs Progress Report 2010,http://www.undp.org/content/dam/undp/library/MDG/english/MDG%20Country%2….

(7) FIDA, République arabe syrienne, programme d’options stratégiques pour le pays, 2009 Décembre,http://www.ifad.org/gbdocs/eb/98/f/EB-2009-98-R-22.pdf

(8) Heba El Laithy, H. and Khaled Abu-Ismail, Poverty in Syria. UNDP Syria CO, UNDP, 2005

(9) FIDA, République arabe syrienne, programme d’options stratégiques pour le pays, décembre 2009,http://www.ifad.org/gbdocs/eb/98/f/EB-2009-98-R-22.pdf.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s