سوريا، السلام والميلاد 2013

Image

ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو

منذ سنة كتبت هذا المقال: سوريا، السلام والميلاد.

في مضمون هذا المقال، لا يوجد أي شيء يمكن إضافته… ولكنني مع ذلك سأكرره لأنه ينبغي، أكثر من أي وقت مضى، البقاء ثابتين على مبادئ الثورة التي تواجه تحديات عديدة…

ولكن قبل ذلك، من الضروري تذكير الجميع بالوضع الكارثي الذي يعيشه الشعب السوري.

كارثة إنسانية
الوضع الإنساني للغالبية العظمى من الشعب السوري يزداد سوءاً… فقد قُتلَ أكثر من 126 ألف مواطن منذ بداية السيرورة الثورية في آذار 2011.

اعتبرت منظمة الأمم المتحدة أن الوضع في سوريا يمثل التحدي الأكبر للإنسانية الذي تواجهه المنظمة: ففي سوريا تزيد حاجة السكان إلى المساعدات الإنسانية، يليها في ذلك كل من، اليمن وأفغانستان والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى

فسيعيش 4،1 مليون سوري كلاجئين في لبنان والأردن وتركيا والعراق حتى نهاية العام 2014، وبحسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حول هذه القضية يعيش اليوم 2،4 مليون سوري كلاجئين خارج بلدهم

بالإضافة إلى ذلك، يعاني نصف السوريين من “انعدام الأمن الغذائي”، بحسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي، والذي أعلن عن خطط لإطعام أكثر من 7 مليون مشرد ولاجئ

وارتفع سعر الخبز بنسبة تزيد عن 500 بالمئة في العامين الماضيين في سوريا، وفقا لدراسة أجرتها منظمة الإنقاذ العالمي

الوضع الإنساني الرهيب ينبغي أن لا يخفي عنا الأسباب الكامنة وراء ذلك ويجب أن لا يتم التعامل مع الوضع باعتباره قضية إنسانية فحسب دون تحميل المسؤولية لأي شخص: هذا الوضع هو نتيجة مباشرة لنظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري الذي يكافح من أجل سوريا جديدة وديمقراطية

وحشية نظام الأسد
وحشية النظام السوري لم تتوقف، على الرغم من الدعاية السياسية المتعددة بتحديد الخطوط الحمراء التي خرقها جيش الأسد، وأجهزة الأمن والشبيحة… يمكن في هذا الإطار تقديم أمثلة عديدة تظهر أن وحشية النظام مستمرة

– يستمر القصف الجوي منذ أكثر من أسبوعين من خلال طائرات الأسد على أحياء حلب المحررة. حيث قتل أكثر من 300 شخص، من بينهم 87 طفلا، أغلبهم من المدنيين، وذلك منذ 14 كانون الأول، عبر استهداف أحياء حلب ومراكز التسوق بالبراميل المتفجرة

– الحصار المستمر على حمص، منذ أكثر من عام، وعلى العديد من المناطق في جميع أنحاء سوريا. من بينها الحصار المفروض على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. وتظاهر أطفال المخيم في 24 كانون الأول 2013 للمطالبة بالخبز وبإنهاء الحصار (أنقر(ي) هنا لمشاهدة الفيديو)

جيش الأسد، وبمساعدة من حزب الله والجماعات الطائفية العراقية، يحاول السيطرة على أكبر قدر من الأراضي قبل انعقاد ما يسمى بمؤتمر السلام المنوي عقده بمدينة جنيف في 22 كانون الثاني بغية فرض المزيد من الشروط

كما حصل العام الماضي، لمؤتمر جنيف 2 الهدف نفسه: التوصل إلى حل سياسي واتفاق بين النظام وجزء من المعارضة البرجوازية والانتهازية من أجل وضع حد للثورة السورية والحفاظ على بنية نظام الأسد، مع الأخير أو بدونه

الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة، وعلى الرغم من خلافاتها وتنافسها، على استعداد للاتفاق حول موقف مشترك بوجه خطر الثورة الشعبية السورية على الأنظمة في المنطقة وعلى الكيان الصهيوني. (لمزيد من المعلومات أنقر(ي) هنا)

مؤخراً، أشارت الحكومات الغربية إلى جزء من المعارضة السورية إلى أن محادثات “السلام” المرتقبة في شهر كانون الثاني قد لا تؤدي إلى إزاحة بشار الأسد من منصبه، لأنه ونظامه سيكون أفضل مواجِه للجهاديين. هنا يتم تجاهل مسألة أساسية، حيث أن الأسد نفسه أطلق سراح الإسلاميين والجهاديين من سجونه بعد بدء الثورة بأشهر قليلة. بالإضافة إلى ذلك، يتشارك الأسد والجهاديون، خلال مواجهتهم الحالية، بأنهما يتغذيان من أيديولوجيتهما الرجعية والإقصائية

في هذا السياق، أبدى الشعب السوري في عدة مناسبات معارضته لأي اتفاق من شأنه أن يمنع أي تغيير جذري. فالمتظاهرون في كفرنبل رفعوا في 20 كانون الأول لافتة كتبوا عليها: “الثورة فينا طاقة مستدامة، ما همنا جنيف ولا وعودها الهدامة ولا يرضينا إلا أن يشهد العالم الأسد في يوم إعدامه”

Image

أعداء داخل الثورة
في الوقت عينه، تتقدم القوى المعادية للثورة على الأرض. وعلى رأسها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية، التي تدعمها الأنظمة الرجعية في الخليج وتريد إقامة الدولة الإسلامية. (للمزيد حول الموضوع أنقر(ي) هنا)

رجعية داعش وجبهة النصرة لا تحتاج إلى إثباتات… فقد هاجموا وخطفوا الثوار والصحافيين والمواطنين. وفرضوا عليهم ثقافتهم من خلال الرقابة والترهيب

في محافظة حلب وحدها، خطف أكثر من 15 صحافي وناشط إعلامي من دون معرفة مصيرهم حتى الآن. وائل ابراهيم ومؤيد سلوم وعبد الوهاب الملا وإسحاق مختار وسمير كساب والعديد غيرهم. هؤلاء لم يعتقلهم النظام إنما اعتقلوا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. في معظم الحالات، لا يوجد أدلة واضحة لتحديد الجناة. ولكن، معظم الناشطين يتهم داعش، معتبرين أن عمليات الخطف تزايدت مع ارتفاع عدد مقاتلي هذه الجماعة في شمال سوريا. وغالبية المخطوفين في حلب معروفون بانتقادهم لتصرفات المنظمة التابعة لتنظيم القاعدة وتكتيكاتها الوحشية

على سبيل المثال، الممثل عبد الوهاب الملا، الذي اكتسب شهرة محلية بفضل برنامجه “ثورة ثلاث نجوم”- برنامج تلفزيوني لا يتردد في انتقاد مختلف الفصائل المحاربة في محافظة حلب، كان قد اختطف من منزله في حي مساكن هنانو. اختطف الملا بعد أسابيع قليلة على تشكيل اتحاد للصحافيين في حلب. الملا كان عضوا في لجنته التحضيرية. وكان هدف الاتحاد وضع حد لعمليات الخطف والقتل التي ترتكب ضد الناشطين الإعلاميين والصحفيين في المحافظة. ويعتبر العديد من الصحافيين أن خطف الملا يشكل تهديدا مباشرا لكل وسائل الإعلام المحلية

بما خص الجبهة الإسلامية، التي يعتبرها البعض ديمقراطية لأنها تعتبر أقل سوءا من التيارات الجهادية، وهو أمر صحيح. ولكن هل هذا النوع من التحليل يقودنا إلى اعتبار الجبهة الإسلامية جبهة ديمقراطية؟ بالطبع لا…

من الضروري التذكير أن عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي… هنا يعيد بعض الناس ارتكاب نفس الخطأ حين اعتبروا في الماضي أن جبهة النصرة تقاتل بصدق لصالح الثورة السورية… ولكنهم مذاك غيروا موقفهم من الجبهة…

اليوم يعتبر البعض الجبهة الإسلامية ديمقراطية لأنها تقاتل في بعض المناطق ضد النظام وأنها غير جهادية، وهذا أمر صحيح. ويتم التوصل إلى اعتبار الجبهة الإسلامية جبهة ديمقراطية بغض النظر عن أيديولوجيتها (التي تطالب بتحقيق الدولة الإسلامية القائمة على تفسير رجعي للدين الإسلامي، مع حقوق محدودة للأقليات، وبالتالي عدم إقرارها بمبدأ المساواة بين المواطنين، الذي يعتبر من الحقوق الديمقراطية الأساسية، تماما كالمساواة بين الرجل والمرأة…)، وبغض النظر عن صلاتها المباشرة وروابطها ومصادر تمويلها من أنظمة الخليج الرجعية، (عندما أعلن الجيش السوري الحر عن نيته إقامة الدولة الديمقراطية لم يحظ بأي دعم دولي أو إقليمي حقيقي حتى اليوم، إلا على المستوى الدعائي) وبغض النظر عن هجماتهم المختلفة في مناسبات عديدة ضد الجيش السوري الحر والناشطين المدنيين، ودون الحديث عن تورط بعض الجماعات الإسلامية في ارتكاب جرائم حرب طائفية مثل الهجوم على اللاذقية الذي وثقته هيومان رايتس ووتش. كما أنها تستخدم خطابا طائفيا ضد العلويين والشيعة، زهران علوش القائد العسكري للجبهة الإسلامية يدعو في هذا الفيديو إلى تطهير دمشق من الشيعة و”النصيريين”. هذه الأمور لا يمكن التعامي عنها

موقفنا يمكن تلخيصه بلافتة رفعتها ناشطة من تنسيقية السلمية كتبت عليها: “خاطفو ليلى عوض (ممثلة سورية اعتقلتها أجهزة النظام بسبب مطالبتها بإطلاق سراح السجناء السياسيين) = خاطفو سميرة الخليل ورزان زيتونة لن تتمكنوا من خطفنا جميعاً”

Image

هذا لا يعني أننا لا نرى الاختلافات بين الجبهة الإسلامية والجهاديين، أو بين الجبهة الإسلامية والنظام، حيث أوضحنا ذلك في مقالات سابقة. ولكن لا يمكن وصف الجماعات الرجعية بأنها ديمقراطية، بحجة أنها أقل سوءا من المجموعات الأخرى التي تقاتل العدو نفسه

هذه المنظمات والتهديدات المختلفة لم تمنع الشعب السوري من المقاومة والنضال من أجل تحقيق مبادئ الثورة كالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كما يتضح من لافتة كتب عليها الثوار: “مثل طائر الفينيق، ثورتنا لن تموت. سيستمر انبعاثها من الرماد للتغلب على الأسد وكل الديكتاتوريين”

Image

في الواقع الثورة السورية لم تمت إنما لا زالت على قيد الحياة

كما كتب الثوار على جدار في سراقب: “قاوم كي لا تهزم”

Image

لا يوجد خيار آخر أمام الشعب السوري

سلام، أو أي سلام؟
أود تكرار فهمي للسلام، الذي عدلته تبعا لمجريات الأحداث الأخيرة

السلام الذي يعنيني ليس كذلك الذي يتصوره البعض، هو العودة إلى زمن ما قبل الثورة أو إجراء تغيير سطحي للنظام

في الواقع لم يكن هناك سلام حقيقي قبل بداية الثورة بسوريا في آذار 2011، إنما كان سلاما وهميا. لماذا؟ لأن النظام السوري ومنذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 أطلق حربا شاملة ضد الشعب السوري: القمع الشرس ضد أي محاولة لممارسة الحقوق الديمقراطية الأساسية، وعبر السياسات الرامية إلى تقسيم الشعب السوري على أساس طائفي وعرقي، وإفقار الغالبية العظمى من الشعب السوري من خلال الفساد، ولكن، قبل كل شيء، تطبيق السياسات النيوليبرالية التي نفذها بشار الأسد وأغرق 60 بالمئة من سكان سوريا تحت أو حول خط الفقر

كيف يمكن للمرء أن يعتبر ذلك سلاماً

لا يمكن تحقيق السلام من دون إسقاط النظام. ولا يمكن تحقيق السلام من خلال مؤتمر جنيف 2 أو ما يسمى بـ”مؤتمر السلام”، الذي يريد المحافظة على بنية النظام ومنع أي تغيير جذري كما طالب الشعب السوري الثائر

داخل الثورة، من الضروري إدانة، وإذا لزم الأمر مواجهة، جميع الفئات، سواء العلمانية أو الدينية التي تعمل ضد مبادئ الثورة: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعلمانية (التي تقوم على ضمان احترام المعتقدات وممارسة الشعائر الدينية ومعاملة الجميع بمساواة دون أي شكل من أشكال التمييز، بين المسيحيين والمسلمين، وبين النساء والرجال، وبين العرب والأكراد…)

كما كتب الثوار في الزبداني على لافتة: “انتهى زمن الحرية مقابل الخبز، نريد الاثنين معاً”

Image

وإذا لم يتم تنفيذ هذه الشروط، الجواب يختصره غرافيتي على جدار في المدينة نفسها: “ممنوع الوقوف، الثورة مستمرة…”

Image

في الوقت عينه، يجب أن نكون واضحين: إن سقوط النظام سيكون بالتأكيد انتصارا عظيما وإنجازا للشعب السوري، ولكن لا يمكن إخفاء أن ذلك لا يعني نهاية السيرورة الثورية في سوريا. في الواقع، الطريقة الوحيدة لمعالجة الفقر، وإنعدام المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والطائفية (التي نشرها النظام لعقود من الزمن واستخدمتها بعض الجماعات المعارضة، وخاصة الجهاديين والإسلاميين)، ولإنهاء جميع أشكال التمييز والاعتراف بالمساواة التامة بين المرأة والرجل، وبين الطوائف، مع تقديم كل الدعم لحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، سيقود إلى متابعة الثورة بقيادة الجماهير السورية الثائرة بهدف تحقيق مصالحها

وبالنسبة لجميع الذين يخشون المستقبل، دعونا نعمل ونناضل معا لبناء سوريا جديدة، لأن هذا النظام لا يحمي أي شخص أو أقلية، ولكنه يحمي قطاعات من الناس الخاضعين لمصالحه بغض النظر عن طوائفهم. لا يحتاج أي إنسان إلى نظام فاسد وديكتاتوري وقمعي حتى تؤمن له الحماية، خاصة الشعب السوري! الحماية الوحيدة التي نحتاجها تكمن في الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية، التي تحترم الحقوق الأساسية للشعب في العيش بكرامة وحرية

خلاصة
كل ما أريده حقا، مرة أخرى بمناسبة عيد الميلاد هو السلام لسوريا وللشعب السوري، ولكن لن يتحقق السلام إلا مع سقوط نظام الأسد ومعارضة واضحة تهزم القوى الإسلامية والجهادية، وبناء دولة ديمقراطية، علمانية واشتراكية ومستقلة ومتضامنة مع نضالات بقية الشعوب، وخاصة الشعب الفلسطيني، لأن حريتنا ترتبط بحريتهم

أفكر اليوم بكل الشعب السوري، بالعائلة والرفاق والأصدقاء، وقبل كل شيء جميع الشهداء واللاجئين والمهجرين… السلام وفق هذا المنظور يعني الثورة الدائمة والنصر للشعب السوري

عاشت سوريا الحرة

Image

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s