“دوما”.. “ثورة جياع”؟ “

1599792_609623135776813_1680808773_o

على صفحاتهم وبشكل مفاجئ نشر العشرات من نشطاء مدينة دوما أنباءً عن اضطرابات حادة في المدينة، وفيما يبدو الخلاف حادا والاختلاف بائنا بين مورديها، فإن القاسم المشترك بينها هو الحديث عن خروج مظاهرات ضد جهات داخلية تلاها اقتحام لعدد من المستودعات والمقار حتى وصل بها الأمر إلى اقتحام أحد سجون الكتائب وهو السجن الموحد، وإطلاق سراح جميع السجناء وهم أسرى وجنود من جيش النظام، إضافة لسجناء من أهالي المدينة
*روايات وشهود عيان
شهدت “دوما” يوما أسود بين اتهامات بالاندساس والخيانة من طرف، وتبريرات للسرقة على أنها ردة فعل جياع من طرف آخر، إذ يشير عدد من النشطاء إلى أن خروج هذه المظاهرة التي تحمل مطالب داخلية وتندد ببعض السلوكيات التي باتت تزيد آلام المحاصرين وتكثف عذابهم
وقد جاء في شهادة نشرها أحد النشطاء المشاركين في المظاهرات الغاضبة على صفحته في “فيس بوك” تكررت معلوماتها وتطابقت مع ما أورده نشطاء وأهالي آخرون من شهادات
ومما جاء في حواشي روايته بأن مظاهرة كبيرة خرجت في مدينة دوما قبل يومين اتسعت وامتدت في أرجاء المدينة حتى وصلت أمام “سجن النساء” السابق والذي تحول إلى مستودع اقتحمت المظاهرة الغاضبة السجن التابع لجيش الإسلام والذي يسمى بالسجن الموحد، وكانت المفاجأة الكبرى للمتظاهرين حسب زعمه بصدمتهم كما قالوا برؤية أكياس من الأرز والسكر والطحين وغيرها مكدسة في جنبات المكان، انقض عليها المتظاهرون الذين يعانون منذ أشهر طويلة من الحصار والجوع وفقدان كامل للمواد الغذائية، فيما وصل بهم الحال ولعدة أشهر إلى تناول علف الحيوانات الذي يبيعه أو يوزعه “مجلس الشورى” على أبناء المدينة بسب فقدان تام لمادة الطحين، بدأت الأيادي تحمل ما استطاعت من تلك المواد، والأعداد تزداد وتزداد، اتسعت المظاهرة بشكل أكبر فتوجه “المتجمهرون” الغاضبون إلى مقر منظمة “عدالة” وهيَ بحسب تعريفها “منظمة حقوقية مستقلة غير هادفة للربح، مقرها الأساسي في تركيا”، ويؤكد الناشط في شهادته بأنها أصعب مفاجأة في حياته، فقد رأى مع جموع المقتحمين أطنانا من المواد الغذائية تكفي المدينة لأشهر طويلة من أكياس الرز والسكر والشعير والبرغل، كما رأوا الخبز المخزن اليابس العفن والبسكوت المخزن والكولا وحليب الأطفال الذي قاربت مدة صلاحيته على الانتهاء، بقي الناس نساء ورجالا وأطفالا يتوافدون على مقر المنظمة ومستودعاتها حتى ساعات الغروب بمعدل أربع ساعات متتالية يجمعون ويحملون كميات بحسب ما يصل أيديهم
*فتش عن شورى التجار
وفي تصريح خاص لـ”زمان الوصل” نفى الدكتور ماجد أبو علي -مسؤول العلاقات العامة في المكتب الطبي الموحد في دوما- أن تكون تلك المظاهرات ناتجة عن العمالة، مشيرا إلى أنها “ضد الجوع ” فقط
وقال بصريح العبارة إن تلك المظاهرات تعبير عن إدانة منطق الإقصاء والاحتكار والجهات التي تعاملت بذلك المنطق وعلى سوء تصرفها، كاشفا أنه في الوقت نفسه فإن النظام موجود “ويقوم بعمله بشكل جيد” وهو بالتأكيد قد شكل خلية تعبث بأمن البلد من الداخل وقد باتت معروفة داخل المدينة للاستفادة من تلك الحالة السلبية والبناء عليها في زعزعة الاستقرار ، وكشف بعضا من الأسماء التي يشك فيها ومنهم سامر بريدي هو ضابط أمن كان مسؤولا في “أمن الدولة” في “دوما” ومعه بعض أزلام النظام المعروفين من أبناء المدينة، موضحا أنهم لابد أقحموا بعض من يعمل معهم على الدخول وسط الاحتجاجات وهم من قاموا بأفعال السرقة والتخريب وإثارة الذعر، وأكد أن هؤلاء أنفسهم من حرّكوا الموضوع في “كفر بطنا” سابقا، وكانت الأخبار بالتأكيد تصل أولا بأول للخلية، لافتا إلى أن “بعض الأسماء عُرفت”
ورغم قناعة د.أبو علي على تدخل من نوع ما لأيدي النظام في عمليات التخريب إلا أنه نفى أي دور لهم في تحريك الاحتجاجات التي قال إنها ليست جديدة، مؤكدا أنه “صارلها مدة بتطلع هيك مظاهرات، لأن الجوعانين معهم حق”
وأشار أبو علي إلى أن “النظام عدونا وطبيعي أن يستغل الفرصة ويبث سمومه ولكن العيب فينا لأننا خلقنا هذا الشرخ بين مؤسسات الثورة بين بعضها وبين مؤسسات الثورة والشارع الذي هو حاضنة الثورة”، وأضاف أنه حتى الآن لم تعترف بعض الجهات المسؤولة بغلطها بل بالعكس صاروا يبررون ويصرون على موقفهم، بل ويرون أنهم لم يخطئوا أساسا بالابتعاد عن الشارع وباستئثار جهة بالسلطة في الغوطة؟! واعتبر د.ماجد أن أحدا ليس له مصلحة بأن يضعف جيش الإسلام لأن ذلك يؤثر على كل الغوطة، وربما الثورة كلها لأن ضعفه “ممكن يضعفنا كلنا وهو رمز مهم، ولكن أن يستأثر بالسلطة فهذا ما لا يُقبل”
بينما عزا خالد أبو زياد -ناشط من دوما- الاحتجاجات إلى “انفراد هيئة واحدة لا تقبل الآخر”، مبينا أن “الجوع ليس كل شيء ولكن الظلم والانحياز لمجلس الشورى هو أساس المشكل”
كما فنّد في تصريح خاص لـ”زمان الوصل” ما أسماها “مزاعم” مجلس الشورى في أن أيادٍ خارجية تعبث بالبلد، في تلميح لاتهام النظام، مؤكدا أن الاحتجاجات تحركت لأن من أطعم الجيش الحر جاع، وأذُل من باع الذهب وبعض أشياء منزله ليدعم الثوار
ووصف الناشط من يقول إن من قام بذلك هم من النظام بأنه “واهم”، مشيرا إلى أن الشعب “رأى من يأكل ويصبح سمينا، ورأى من يتاجر باسم الشهداء”
وكشف أن عناصر من جيش الإسلام شاركوا في اقتحام المستودعات والاحتجاجات أيضا
وحول دليله على ما نشره في صفحته الفيسبوكية بأن الموجود في المخازن كان من الأموال التي جمعوها من حملة الوفاء، قال أبو زياد: “انظروا مقاطع الفيديو على قناة “شدا الحرية” تروا أسماء المتبرعين لمؤسسة “عدالة” وتعرفوا حجم ما وصلها من تبرعات باسم البلد والناس”
ورد الناشط خالد على تصريحات ادعت بأن ما وجده المتظاهرون خلال الاقتحام “كلها غنائم”، طالبا مقارنة الأشياء التي اعترفت “عدالة” بأنها كانت موجودة عندهم وأنها من الغنائم، متسائلا عن مصادر باقي الأشياء الموجودة بالمستودعات “من وين إجت”؟
*اقتحام بلا مقاومة
لم تبدِ تلك الجهات أثناء الاحتجاجات أي مقاومة عنيفة، وهو ما أكدته شهادات النشطاء أنفسهم التي وصفت رد فعل مجلس الشورى بالهادئ، فلم يتم استخدام السلاح أو القوة لحماية المستودعات بل وقف بعض موظفيها ليراقبوا الوضع، فيما فرَّ عدد من مسؤوليها واختفوا عن أنظار الأهالي الغاضبين ليتركوا كل شيء وراءهم وهم يسمعون اتهامات مباشرة لهم بالمشاركة في حصارهم وجمع الأموال وتخزين المواد باسمهم بقوة السلاح
فوضى عارمة وخوف واضطراب كان يختصر المشهد وقد برر كثيرون تلك الأحداث بأنها رد فعل طبيعي عما اختزنه الأهالي بداخلهم من غضب أمام ما يتعرضون له، غير أن عددا كبيرا منهم استنكر السلوكات السلبية والعنيفة وغير المبررة التي قام بها بعض من أولئك المقتحمين الذين خربوا أثاث بعض المقرات وحطموا الأجهزة والحواسيب
تلك الأفعال التي امتدت إلى مكاتب أخرى كمكتب الإسكان والقضاء ومقر كتائب الهدى أيضا، وقالوا بان الاحتجاجات بدأت عفوية مدنية، غير أن بعض المدسوسين لغاية ما دخلوا وبدؤوا يخربون الأملاك العامة
* جياع أم حرامية بأيادِ خفية؟
اتسع الخلاف بين أبناء المدينة على الأرض، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بين من يعتبر ما حدث ثورة جياع متوقعة جرّاء تحكّم فئة قليلة من أبناء المدينة بأموال الإغاثة ووضع يدهم على كل شيء بحكم امتلاك السلاح من ناحية، وسلوك المستبد تحت غطاء الدين من ناحية أخرى، وقد تحدثوا مطولا عمن يحتاج فعلا للإغاثة.. الأطفال الذين يموتون جوعا أم المقاتلون المنتمون لجيش الإسلام حصرا مع عائلاتهم ومؤيديهم، والذين يحتفظ لهم حتى بفوط الأطفال والبسكويت الذي لم تلمحه أعين الصغار منذ ما يقرب من ثمانية أشهر، فضلا عن حليب الأطفال الذي لم يتم توزيعه، فقارب على التلف وانتهاء الصلاحية داخل تلك المخازن
وهو ما أنكره بشدة آخرون من المنتمين والمؤيدين للتيارات الإسلامية، الذين رأوا فيما جرى مجرد تحريض تحركه أيادي النظام وخلاياها النائمة لكي تغطي على التقدم العسكري الذي يحرزه جيش الإسلام والمجاهدين على الأرض، وبأن من “سرق” تلك المواد فقد سرق لقمة المجاهدين الذين يخوضون المعارك ضد هذا النظام، واختصر “إسلام علوش” الناطق باسم الجبهة الإسلامية موقف تلك الجهة واصفا من تظاهروا واقتحموا تلك المقرات بكلمة “عمالة بامتياز”- شارحا القضية بقوله: “في ظل التقدم العسكري الملحوظ على الجبهات العسكرية في الغوطة الشرقية التي هي قيد التعتيم الإعلامي لسلامة المجاهدين من الجبهة الإسلامية وغيرها من الفصائل المقاتلة، قامت بعض مجموعات الحثالة بالهجوم على الهيئات الأمنية في الغوطة الشرقية وتحرير مساجين من النظام وقتلَة ومجرمين وسارقين ومغتصبين، ودخلوا بأحزمة ناسفة وقاموا ببلبلة كبيرة داخل البلدات ليشغلوا المجاهدين عن الجبهات، ومن قام بالعمل هم بعض قادة المجموعات الذين حملوا السلاح لتشكيل كتائب دفاع عن النفس ويستخدموا هذا السلاح بقنوات التشبيح على الناس وسرقة ممتلكاتهم بفتاوى من مشايخ ضالين مضلين ….الله المستعان”
*قالوا وقالوا..
رفض رئيس مجلس الشورى في مدينة دوما والغوطة الشرقية رفضا قاطعا ما جرى وأصر على أن ماحصل إنما هو مدبر ومخطط له بعناية وإحكام، وأكد بأنه لن يتهم أحدا بالخيانة والعمالة، مرجعا كل ماجرى للضائقة المادية التي يعاني منها الجميع وإلى الحسد والبغضاء وسوء الظن
وقسّم ما نهب من المستودعات إلى قسمين، الأول يعود إلى مؤسسة “عدالة” التي قال إنها استطاعت أن تنشئ معملا لتصنيع حليب الأطفال، وتقدم يوميا من هذا الحليب ألف كيلو غرام يعطى للأطفال، وكذب بشكل قاطع من يقول إنه وجد حليبا للأطفال في المخازن وأكد بأن “ما نهب” عائد إلى جيش الإسلام، وهو من الغنائم التي غنموها من مستودع عائد لبعض أزلام النظام وتساءل “أليس من الخطأ أن نعيب عليهم أن يكون لهم هذا المخزون لحاجاتهم.. ثم هم غنموه ولم يأتهم من المساعدات مع بالغ شكرنا للأيادي البيضاء الداعمة”
أشعلت كلمات “إسلام علوش” حربا ضروسا بين قادة الكتائب العسكرية على الأرض، وزادت الانقسام والخلاف فقد رد عليه قائد تجمّع مجاهدي الغوطة الشرقية ولواء شهداء دوما أحمد طه ببيان على صفحته في “فيس بوك”، معتبرا ما حصل مصيبة بكل معنى الكلمة
وشرح “طه” السبب والمسبب بقوله: “نعم هناك جوع وقلة، وفقر مدقع وحصار وخوف ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد لهذه المظاهرات، فهناك أسباب كثيرة منها التسلط والاحتكار والإقصاء والافتراء”
وتابع بيانه بالقول: “إن الناس قد خرجت منذ يومين مطالبة بإسقاط الشورى”، معبرا عن قناعته بأن “هناك طرفا خفيا يستفيد مما يجري ويشعل المدينة تزامنا مع الأحداث المحيطة بنا”
*اتجاه معاكس
ازداد إوار المعركة اشتعالا بين اتهامات واتهامات مضادة، وهو ما جعل الأمر يبدو أخطر وأصعب على الجهات التي تحاول إعادة الهدوء والاتزان للمدينة، أمام خوف المدنيين المنهكين من مزيد من الفوضى، فقد وجّه “محمد علوش” ابن عم الشيخ “زهران علوش” قائد جيش الإسلام، تهما خص بها بعض قادة الكتائب في الداخل، متهما إياهم بالتحريض على التظاهر ضد مجلس الشورى ومنظمة “عدالة” التي يديرها
وقال إن “مؤسسة عدالة أثبتت أنها مؤسسة قوية وقائمة على أسس ثابتة وتتعامل بكل أريحية وقيم نبيلة، فرغم حملة التحريض وتشويه السمعة ثم النهب والسلب ستتابع المؤسسة عملها في خدمة أهالي دوما والغوطة وبطرق ومشاريع جديدة غير آبهة بالمتهوكين ولا المتنطعين ولا المتربصين واضعة نصب عينيها رضى رب العباد”
وهو ما رد عليه “خالد أبو زياد” أحد نشطاء المدينة بالقول إن القصة تراكمات وليست وليدة الساعة وبأنه منذ عشرة أيام تم اقتحام مستودعات الهيئة الشرعية في بلدة “حزة” من قبل المدنيين، واليوم تم اقتحام مستودعات مجلس الشورى ومؤسسة “عدالة” والسجن الموحد (سجن النساء سابقا)، من قبل الأهالي المدنيين أيضا، مشيرا إلى أن كميات المواد الغذائية التي وجدت في مستودعات “عدالة “اشترتها من الأموال التي جمعتها من حملة “الوفاء للغوطة” التي تبنّتها قناة “شدا الحرية”، فيما سبق وقال بأنها “شحدت ” على اسم مدينة الشهداء والوفاء ..وتساءل هل كانت للغوطة أم فقط لأصحاب الحملة؟
ربما يكون هذا المنعطف من أصعب ما تعرضت له المدينة، ما هز ضمير أبنائها الذين لم يتفقوا على مسمى محدد لما جرى ويجري، غير أن كثيرا من النشطاء قالوا إن تلك الاحتجاجات تعبير عفوي صادق لم يقصد بها فصيل محدد ولا جماعة بعينها فقط، لأن الغضب طال جميع تجار الأزمة الذين يحتمون بسلاح كتائب تتحكم بلقمة الأهالي المحاصرين وبالأسعار
كما اعتبروا أن ما جرى طبيعي جدا، فالشعب يقول كلمته ويؤكد أن من خرج ضد نظام الأسد لن يستطيع أحد تطويعه وسلبه قراره وحريته تحت أي مسمى، وبأنه كان ولازال الرقم الأصعب في المعادلة السورية، غير أنهم يشاطرون من يختلف معهم بأن هناك من يزيد النار اشتعالا، وسط دعوات للجميع بالجلوس والحوار، وإزالة الشكوك بالمصارحة والمصالحة.. ولاتزال المحاولات جارية لإعادة الهدوء والوفاق بين أبناء المدينة التي أنهكها الحصار والقصف والموت والجوع وأشعل الظلم غضب أبنائها تجاه بعض من يرون بأنه يستثمر في مصابهم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s