سويسرا: اليسار والثورة السورية

484833_10151742795001887_115366916_n
http://al-manshour.org/node/5043 المصدر‫:‬

الكاتب/ة: جوزف ضاهر
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو

منذ بداية السيرورة الثورية في سوريا والنقاش يتعمق حولها داخل اليسار الراديكالي، حيث أن جزءاً منه؛ ممثلاً بحركة تضامن وحركة من أجل الاشتراكية، يدعم مطالب العدالة الاجتماعية والديمقراطية للحركة الشعبية السورية، في حين أن قسماً آخر؛ وعلى رأسهم حزب العمل والحزب العمالي والشعبي، يميز السيرورة الثورية الجارية في سوريا عن تلك التي تشهدها بقية دول المنطقة، وعلى وجه الخصوص مصر وتونس. هذا الجزء من اليسار، الذي يحمل فكراً ستالينياً نقياً، يعتبر أن “الصراع في سوريا هو خارج نطاق الربيع العربي. وكل الأمر هو صدام أهلي بين العشائر والطوائف. حيث وصلت نتائج هذه المعارك إلى لبنان المجاور. فهذا الصراع أخذ شكل الحرب الدينية، بحيث زاد تدويله لدرجة أنه يزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها”، في حين يعتبر هذا اليسار عينه، أن النظام السوري يتميز بعلمانيته ومعاداته للامبريالية ومعارضته لـ”الإسرائيليين والأنظمة السنية”. فاقتصرت قراءتهم على تحليل جيوسياسي وطائفي لا علاقة له بالواقع الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي في سوريا أو بمطالب الحراك الشعبي في سوريا. أكثر من ذلك، يرفض هذا الجزء من اليسار أن يزود الغرب أسلحة ثقيلة للثوار، في حين أن الواقع يشير إلى أن الجيش السوري الحر يفتقر إلى الدعم العسكري بوجه نظام تدعمه روسيا وإيران ومجموعات طائفية أخرى مثل حزب الله، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً

المشكلة مع اليسار الستاليني، في سويسرا وبقية دول العالم، أنه حلل السيرورة الثورية في سوريا من وجهة نظر جيوسياسية، وتجاهل تماماً الديناميات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أرض الواقع في سوريا

الجزء الأكبر من هذا اليسار يعتقد أيضاً أن إيران روسيا وسوريا هي دول معادية للامبريالية ضد الولايات المتحدة، وهو اعتقاد كاذب. خيارنا ليس بالوقوف إلى جانب محور من هذه المحاور، سواء كان إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية أو روسيا وإيران، خيارنا هو الوقوف مع الجماهير الثائرة المناضلة من أجل تحررها. فعلينا أن لا ننسى أن “تحرر العمال هو من صنع العمال أنفسهم”، عبر التغيير من الأسفل ومن خلال فعل الجماهير نفسها

بالإضافة إلى ذلك، يسعى المحوران إلى فرض حل من شأنه أن يحافظ على بنية النظام على طريقة “الحل اليمني”؛ حيث جرى تغيير الرئيس وبقي النظام على حاله. الفرق الوحيد بين مواقف الحكومات الغربية ودول الخليج من جهة، ومواقف الصين وإيران وروسيا من جهة أخرى، لا يزال هو نفسه: ما هو مصير بشار الأسد؟ روسيا تريد الحفاظ على هذا الديكتاتور، في حين تريد القوى الغربية زعيماً جديداً، أكثر انفتاحاً على مصالح الغرب

بمواجهة البروباغندا الستالينية المقربة من نظام الأسد، وباستثناء بعض التمايزات، وقف اليسار الجذري في سوريا إلى جانب الحراك الثوري وأهدافه: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الطائفية. هذا اليسار أثبت الطبيعة البرجوازية والاستبدادية للنظام، حيث استعمل هذا الأخير الوسائل الطائفية والعنصرية (العرب مقابل الأكراد) لتقسيم الشعب السوري. أكثر من ذلك، عمل نظام الأسد، الذي يدعي مناهضة الامبريالية، بالتعاون مع الامبريالية الأميركية على قمع وارتكاب المجازر بحق القوى التقدمية في المنطقة وعلى وجه الخصوص، الفلسطينية منها

كما أن هذا اليسار، ومنذ البداية، ندد بصعود القوى الإسلامية الرجعية التي تتعارض مع أهداف الثورة والتي تهاجم الناشطين الديمقراطيين والتقدميين ضمن الحراك الشعبي. هذه المجموعات كجبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) والإسلاميين ضمن الجبهة الإسلامية، الممولة من الأنظمة الخليجية ومن شبكات خاصة داخل هذه الدول. حيث يهدف هذا التمويل إلى تحويل الثورة السورية إلى حرب طائفية. وانتصار الثورة في سوريا وانتشارها في المنطقة يشكل تهديداً مباشراً لهذه الأنظمة

سواء في سوريا أو في أي مكان آخر، نحن نؤيد نشوء قوى ديمقراطية وتقدمية بمواجهة كل الأنظمة والقوى الإسلامية الرجعية

وكما عبر مراراً المتظاهرون/ات في سوريا، نحن نعلم أنه من المستحيل العودة إلى الوراء؛ إلى كنف نظام الأسد. فلا بديل عن استمرار الثورة كما يرمز إليه من خلال الشعار الرئيسي الذي هتف به المتظاهرون/ات في سوريا: “الموت ولا المذلة!”. بالإضافة إلى ذلك، إن الحركة الشعبية السورية تعلم أنها حالما تتوقف فإنها ستواجه قمعاً رهيباً من النظام.

كيف يمكننا في سويسرا أو في الخارج، دعم النضالات الثورية والشعبية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

يتكرر هذا السؤال خلال المحاضرات وغيرها من النشاطات التضامنية مع الانتفاضات الشعبية. هناك، بالطبع العديد من الأجوبة الجاهزة منها: جمع التبرعات لدعم الشعب المناضل، وضحايا القمع والمهجرين داخل وخارج سوريا، وتنظيم النقاشات العامة لاعلام الناس بمجريات الأمور والديناميات الحاصلة داخل الثورات، أو كتابة المقالات وتنظيم مظاهرات داعمة. كل ذلك هو ضروري لمساعدة شعوب المنطقة وينبغي تشجيعها.

الأمر نفسه ينطبق على اليسار الراديكالي في أوروبا، فمن الضروري تقديم الدعم السياسي والمالي لدعم الرفاق في المنطقة لمساعدتهم على النمو والدفاع خلال فترات القمع

وهناك طرق أخرى لمساعدة الثورات والنضالات الشعبية، منها، الاستمرار في معارضة، وعلى مدى طويل، سياسات الطبقة الحاكمة المهيمنة في الدول الغربية التي تؤثر سلباً على النضالات الشعبية الجارية

قد يكون ذلك مفاجئاً. إنما هو في الواقع مسألة أساسية من أجل التضامن الأممي القائم على فكرة ترابط النضالات من أجل تحرر مجتمعاتنا. وعلى الرغم من الدعم الكلامي للثورات في المنطقة، فإن السلطات والأحزاب السويسرية في المجلس الفيدرالي تنتهج سياسات تتناقض تماماً مع هذا “الدعم”، خاصةً لجهة تعارضها مع مبادئ حقوق الإنسان وما يسمى بـ”حياد” سويسرا على الساحة الدولية

في الواقع، كيف يمكن التوفيق بين تقديم الدعم للسيرورة الثورية وبين التعديلات المستمرة، للمرة العاشرة منذ عام ١٩٨١، لقوانين اللجوء في سويسرا، في حين انخفض عدد الحاصلين على اللجوء بين عامي ١٩٩٩ و٢٠١١ إلى النصف، تراجع عددهم من ١٠٤٧٣٩ إلى ٤٠٦٧٧ (من ضمنها الموافقات المؤقتة)؟ أزمة اللجوء المزعومة، كما جرى تقديمها داخل المجلس الفيدرالي، ليست سوى أكذوبة لتفريغ حق اللجوء السياسي من مضمونه. هل تؤيد سويسرا الثورات العربية؟ البنود الجديدة لقانون اللجوء دخلت بالفعل حيز التنفيذ، لن تشمل الجنود المنشقين من جيش بلادهم والراغبين باللجوء إلى سويسرا. وبالتالي، فإن الجندي السوري الذي يريد أن يترك جيش النظام لأنه رفض اطلاق النار وقمع شعبه لن يجد ملجأً له في سويسرا! بالإضافة إلى ذلك، فإن المتقدمين بطلبات لجوء لن يتمكنوا بعد اليوم من تقديمها في سفارات سويسرا، الأمر الذي يقلل، لدرجة خطيرة، من إمكانية وصولهم إلى سويسرا، ويرغمهم على استعمال وسائل خطيرة و”غير شرعية” للوصول إلى هذا البلد. لذلك كيف يمكنك، في مثل هذه الظروف، ادعاء دعم الشعوب المناضلة، في حين تنكر عليهم، أو تجعل من ذلك أمراً مستحيلاً، الحق في اللجوء إلى سويسرا، وبالتالي، إمكانية هروبها من القمع في بلادها؟ لذلك من الضروري معارضة هذه القوانين على وجه التحديد من خلال الاستفتاء عبر التصويت ضد التشدد بإجراءات قانون اللجوء. كما يجب تنظيم المواجهة ضد هذه السياسات من خلال بناء حركة التضامن مع طالبي اللجوء وتنظيم احتجاجات شعبية ضده في الشارع

كما أن النظام السويسري يصدر الأسلحة إلى الأنظمة الديكتاتورية القمعية كالأردن وقطر والسعودية ومصر (قبل عام ٢٠١١)، أو الكيان الصهيوني الذي يضطهد الشعب الفلسطيني يومياً، كل ذلك يشكل تناقضاً مع منطق دعم النضالات الشعبية في المنطقة. ويعكس، مرة أخرى، تعارضاً مع “حياد” سويسرا وادعاءاتها “الإنسانية”

بالإضافة إلى ذلك، يسهل النظام المصرفي السويسري، إلى حد كبير، من التهرب الضريبي الدولي، الذي يحرم الدول النامية من الاستثمارات في البنية التحتية والمشاريع التنموية. وبحسب مجموعة بوسطن للاستشارات، إن ٩٨٠ مليار دولار أميركي، أي ما يوازي نصف قيمة الأصول الأجنبية عام ٢٠١١، أتت من آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا. كما بلغت قيمة الأموال التي جرى تهربيها من الضرائب في الدول النامية ٤٩٠ مليار دولار أميركي. ويمكن تقدير الخسارة الناتجة عن التهرب الضريبي بما لا يقل عن ٧،٣٥ مليار دولار بالسنة، أي ما يساوي ضعف المساعدة الإنمائية السويسرية (البالغة ٣،١ مليار دولار عام ٢٠١١). وعلى سبيل المثال، عام ٢٠١١، بلغت المساعدات السويسرية للتنمية في تونس ١٢،٥ مليون فرنك سويسري، في حين بلغت قيمة الحسابات المصرفية لبن علي حوالي ٦٠ مليون فرنك سويسري. إعادة الأموال، التي تحصل بشكل جزئي وتجميد الحسابات المصرفية لبعض الطغاة الأجانب لا تغير من المسألة الأساسية: يجب أن لا تكون سويسرا ملجأً للأموال المهربة

التضامن الأممي ضد الطبقة السياسية والبرجوازية في بلادنا أمر ضروري لدعم تحرر المجتمعات والشعوب المناضلة ضد الأنظمة الديكتاتورية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s