لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد ومستقل

Image

بيان صادر عن المنظمات الماركسية والاشتراكية الثورية في المنطقة العربية

٢٨ حزيران ٢٠١٤

لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد ومستقل

يشهد العراق، مرة أخرى، تطورات خطيرة على المستويين، الأمني والسياسي، حيث انهارت قطاعات كاملة من الجيش العراقي في مدينتي الموصل وتكريت، بوجه أخص، وفي الكثير من الاقضية والنواحي في المحافظات الغربية والشمالية التي تقطنها غالبية سنية، امام تقدم القوات المسلحة لما يسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، ومجموعات ميليشياوية أخرى. وقد تمكنت تلك القوات من الاستيلاء على مدينة الموصل، ثم تقدمت باتجاه المدن الأخرى، ومنها نحو العاصمة بغداد، ما تسبب بحدوث فراغ امني وعسكري واسع النطاق، وحالة من الحرب والفوضى والذعر، ونزوح لمئات الآلاف من العوائل، باتجاه مناطق آمنة، ولا سيما منطقتي أربيل ودهوك، في إقليم كوردستان.

وعلى رغم التصدي لتقدم قوات داعش من قبل بعض القوى المسلحة العشائرية، ومن قبل الجيش العراقي، وكذلك تصدي قوات البيشمركة التابعة لإقليم كوردستان لهم، في مدينة كركوك وضواحيها، وفي مدينة ديالى والمناطق التابعة لها، فالمعارك لا زالت مستمرة، ويشهد العراق عمليات كر وفر بين داعش وخصومها، فيما تبين بجلاء ملامح الانهيار شبه التام لكل المؤسسات الأمنية والعسكرية، في المحافظات الغربية التي تقطنها اغلبية سنية. والأخطر من ذلك أن تنظيم داعش – الذي ما كان يمكن له أن يتخذ هذا الحجم المؤثر، وان يلعب الدور المفرط في الخطورة الذي بات يلعبه، لولا عاملان اساسيان اثنان، بين عوامل اخرى، ألا وهما الاحتلال الاميركي، من جهة، وطبيعة الدولة الطائفية-المذهبية التي ساهم هذا الاحتلال أيَّما إسهام في إنتاجها، من جهة أخرى – إنما يمارس في إطار حملته كلَّ أشكال المجازر التي يغلب عليها الطابع المذهبي، حيث ثمة معلومات عن عمده إلى التصفية الدموية الجماعية، بوحشية قلَّ نظيرها، للمئات من الأسرى، من بين الذين استسلموا، وتعدادهم بالآلاف. فضلاً عن ممارسة شتى أعمال القمع، والإبعاد والاضطهاد، على أساس ديني وقومي، والاغتصاب، بحق النساء والفتيات، أو تزويجهن، رغماً عنهن، مقاتلين في صفوفه، ناهيكم عن فرض قواعد شرعية، قسرية، بعد أن أعلن عما سماه”وثيقة المدينة”.

وهي وثيقة من ست عشرة مادة تنظم حياة المواطنين، وتذكر إحدى موادها أنها المرجع  الذي سيتحكم بكل موارد المدينة. ويتم توعُّد من تمتد يده الى المال العام بعقوبة رادعة، فيما عمد التنظيم، بالمقابل، إلى الاستيلاء، من جانبه، على ما يعادل مئات الملايين من الدولارات، من المصارف، والمراكز الحكومية والبلدية، فضلاً عن مصادرته كميات هائلة من الأسلحة التي تركها الضباط والجنود الهاربون . وتحث الوثيقة على الصلاة الجماعية لكل الرجال، وتحرّم الاتجار والتعاطي بالخمور والمخدرات والدخان، وسائر المحرمات الشرعية. وتمنع كذلك كل المجالس والتجمعات والرايات، بشتى العناوين، وحمل السلاح، وتعتبر ذلك كتفريق للجماعة يستوجب القتل.

وتبيِّن الوثيقة موقف تنظيم داعش من المشاهد والمزارات والتماثيل التي يتوعَّد بطمسها وبتسوية قبور الأولياء وهدمها، وان على النساء ملازمة البيوت وترك الخروج الا لحاجة ماسة. وباختصار، فالجميع الآن يخشى على كرامته وحياته، بمن فيهم “حلفاء” التنظيم من الميليشيات المسلحة (ثمة أخبار عن أن عددها قرابة ٢٣ مجموعة).

اما رد فعل حكومة المالكي على تلك الاحداث والتطورات الأمنية والعسكرية فلم يكن أقل خطورة. ففي حين دعت إلى تبني حل عسكري شامل، وفرض حالة الطوارئ، وإعلان الاستنفار العام، طالبت أميركا وايران وغيرهما بالتدخل في العراق، بغية مساندتها لدحر الإرهاب الداعشي؛ وهو أمرٌ بقدر ما يمكن أن يحصل، ويتنامى، قد يدفع بالبلد ككل إلى أتون حرب مذهبية لا تُبقي ولا تذر، مع انعكاساتها القاتلة في كامل المنطقة العربية. كما انها تمكنت من الحصول على دعم المرجعية الدينية الشيعية المتمثلة بالسيستاني، الذي أصدر فتوى بإعلان الجهاد ضد داعش والتطوع في صفوف الجيش.

ولقد كان بديهياً أن يتخذ ما جرى من احداث بعداً سياسياً إقليمياً وعالمياً واضحاً، حيث ان البلد من أكبر المنتجين للنفط الخام، وبؤرة منذ أكثر من عقد لصراعات سياسية وطائفية ومذهبية وعرقية، ويرتبط ما يجري فيه بما يجري في سوريا اشد ارتباط، وتداعياتُ ما يحدث فيه تؤثر بشكل او بآخر في الملف السوري، وفي مجمل التوازنات الطائفية والمذهبية السائدة في الإقليم برمته. ومن هنا فمما لا شك فيه، أن ما جرى بات يترافق مع تدخلات اقليمية ودولية، يهدد استمرارها كيان البلد برمته، وأن التدخل السافر من قبل دول الجوار، مثل قطر والسعودية وإيران وتركيا، وغيرها، سيزيد الأمور تعقيداً، ويعطي زخماً، مثلما يجري الآن في سوريا، للصراعات الطائفية والمذهبية، وهو ما يعرقل (لا بل يهدد بأن يجهض)  مساعي الشعب العراقي، وتطلعاته، بكل مكوناته واطيافه، لبدء مسيرة ثورية تهدف لإقامة مجتمع ديقراطي حر ومزدهر. وهي تطلعات ظهرت واضحة في المظاهرات الكبرى التي قام بها، في تاريخٍ سابق، وعلى امتداد العام 2013، وتولى المالكي قمعها بالقوة وإهراق الكثير من الدماء. هذا مع العلم بأن تنامي قوة داعش، في العراق، ستكون له انعكاسات خطيرة على الصراع في سوريا بالذات، وذلك لغير صالح السيرورة المناهضة للنظام القائم هناك.

اما الجانب الأميركي فقد استغل، وسيستغل، ما جرى من احداث في أكثر من اتجاه، بما يتوافق مع مسعى التعويض مما سبق ان فوَّته من مكاسب، خلال احتلاله للعراق. ففي حين لم تسمح الاتفاقية الأمنية العراقية-الامريكية، قبل ثلاث سنوات، للجانب الأميركي، بالاحتفاظ بقاعدة عسكرية دائمة في العراق، يسعى اليوم الى استغلال الفرصة للتدخل عسكرياً، وبشكل أو بآخر، في ما يجري، من خلال ارسال القوات لحماية سفارته الاخطبوطية، ومئات المستشارين، وحتى طائراته التي تقوم بطلعات جوية متواصلة في الاجواء العراقية،  وتحريك سفنه الحربية باتجاه الخليج، استعداداً لأي طارىء، مع احتمال شن ضربات عسكرية جوية، إن تطلب الامر، لإنقاذ النظام الذي يتواجد في قمته المالكي وحكومته، ولو استدعى ذلك إخراج هذا الأخير من موقعه هذا، وإحداث تعديلات لصالح تسوية تأخذ بالحسبان مصالح القوى المذهبية، الاخرى، التي يستبعدها رئيس الوزراء الحالي من مواقع القرار. وهي خطوات تهدف، في الأخير، لحماية المصالح الاميركية، ليس إلا.  مصالح كانت وما زالت تتعارض مع مصلحة الشعب العراقي، بكل مكوناته واطيافه.

ولا شك في أن هذه الاحداث هي الأخطر من نوعها، من حيث اندراجها في عواقب “العملية السياسية” التي وضع خارطتها الاحتلال الأميركي البغيض، والمتمثلة بإعادة بناء الدولة العراقية، عقب سقوط الدكتاتورية  البعثية، وفق المحاصصة الطائفية والقومية، في سياق انقلاب موازين القوى، التي كانت سائدة منذ عقود، والتراجع العميق في قدرات الجيش العراقي، بعد تسريح الاحتلال للجيش القديم؛ وهو واقع قدمت فيه إسهاماً اساسياً كلٌّ من الإدارة الاميركية، خلال احتلالها للبلد، والجار الإيراني ، الذي كان المستفيد الأكبر من ذلك الاحتلال، ومما أحدثه من تغيير عميق في التوازنات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العراق. وهو ما بدا بأجلى مظاهره، خلال الحملة الأخيرة التي لعب فيها تنظيم داعش دور رأس الحربة، ويسعى ليكون القيادة الفعلية لتجمُّع هشٍّ تلتقي فيه قوى قومية وعشائرية شتى، من ضمنها فلول البعثيين القدامى، وبعض الضباط والجنود من قدامى الجيش المحلول، وإن كان هذا التلاقي، المؤقت من حيث الجوهر، مهدداً بالانفراط، بسبب السعي الحثيث من جانب التنظيم للانفراد بالسيطرة، والمغانم، والتوجهات، مع احتمالات جدية للدخول في صدامات دموية ضمن “التحالف” بدأت نُذرُها تظهر، في اكثر من مكان. علماً بأنه إذا كان  ثمة من يدَّعي أن جزءاً هاماً من هذه القوى يخوض غمار انتفاضة حقيقية ضد سلطة المالكي الاستبدادية، والتابعة، والمغرقة في الفساد، ويحاول النأي بنفسه عن التعبئة المذهبية والطائفية، ويدعو إلى الانخراط في نضال وطني بحت ضد المالكي، والجماعات المذهبية التي تأتمر بالتوجهات الإيرانية، فهؤلاء لا يرون واقع أن هذا الجزء يعاني مشكلة صارخة في سلوكه ومواقفه لا بدَّ من التحذير من مخاطرها، ألا وهي تلك التي تتجسَّد في تمسكه بالتحالف المذكور، واعتبار أن ثمة ضرورة للحيلولة دون توجيه النقد والتشهير حيال جرائم تنظيم داعش المريعة، ومخططاته المشبوهة، وبوجه أخص دون التصدي لتلك الجرائم والمخططات بقوة السلاح، وذلك في مسعى منه للحفاظ على “وحدة” القوى التي تقاتل النظام القائم وحكومة المالكي!

هذا ويدفع الشعب العراقي، كل يوم، بدمائه ومآسيه، ضريبة الحرب والاحتلال الأميركيين، السابقَيْن، وضريبة الانقسامات الطائفية والحركات الإسلامية المتطرفة التي انفلتت من عقالها، بالتزامن مع التدخل الامبريالي والتدخل الرجعي للحكومات الطائفية والمذهبية في المنطقة. وقد أصبح رهينة بيد القوى الرجعية، التقليدية، التي قامت ببناء دولة على صورتها ومثالها، وفي حال فشل هذه الدولة وانهيارها قد تنحو لبناء دويلات وامارات طائفية ومذهبية شتى على انقاضها. وبالتالي، فإن مصير البلد مفتوح بوجه كل الاحتمالات والسيناريوهات المخيفة.

اننا في الوقت الذي نشدد فيه على ضرورة بناء  حركة يسارية شعبية جذرية، في العراق، تستفيد من حالة النقمة الفعلية التي تعتمر في نفوس معظم أبناء المناطق التي تتعرض للتهميش  والإقصاء، وتُحرَم من الكثير من حقوقها الاجتماعية والاقتصادية، كما في نفوس الغالبية الكبرى من أبناء الشعب العراقي، على اختلاف مكوناتهم الطائفية، والمذهبية، وفي شتى أنحاء توزعهم الجغرافي المناطقي، لتتولى تنظيم هؤلاء وتوجيه مشاعرهم واستعداداتهم الانتفاضية، في منحىً ثوريٍّ فعلي ضد كامل النظام الطائفي الرأسمالي الفاسد، الذي أنتجه الاحتلال الاميركي، وتضع على عاتقها افشال المخططات والسيناريوهات الظلامية والإرهابية، المعد لها من قبل داعش وأمثالها، والدول الرجعية والامبريالية، فضلاً عن حكومة المالكي والقوى المذهبية المسعورة، التي تستند إليها. وتجنباً لتكرار ما جرى في سوريا من الانقضاض على الحراك الثوري، والسعي لإجهاضه بكل السبل؛ وعلى أساس ان تقوم تلك الحركة بفصل صفوفها عن القوى السياسية الطائفية والمذهبية، والقومية الشوفينية، السائدة، أوالساعية للهيمنة، نؤكد، من منطلق الايمان بضرورة تجنب كارثة طائفية ومذهبية محدقة في العراق، واستعادة وحدة الشعب العراقي على أساس ديمقراطي علماني ثوري، على ما يلي:

١) رفض كل اشكال التدخل في الشأن العراقي من قبل أميركا وإيران والسعودية وقطر وتركيا، وغيرها، حيث ان تلك التدخلات تتعارض تماماً مع مصلحة الشعب العراقي، وتصب الزيت في نار الاحتراب المذهبي البغيض. ونطالب الجمعية العامة للامم المتحدة، بوجه أخص، وفقاً لآلية”الاتحاد من أجل السلام”، بمحاسبة كل دولة تتورط في ذلك من خلال فرض العقوبات عليها.

٢) حل الخلافات السياسية الجارية في العراق، بالاحتكام الى رأي الشعب العراقي نفسه، وإرادته، ومصالحه، وباتباع طرق ديمقراطية متقدمة، من خارج المنظومة الطائفية، تضمن المشاركة السياسية الفاعلة لكل المواطنين، ومن دون أدنى تمييز في ما بينهم، سواء في بناء دولتهم الجديدة او في بناء سلطات حكومية محلية في المدن والمحافظات كافة.

٣) ان التصدي للارهاب الداعشي الدموي، وللارهاب المضاد له، بالرغم من انه مهمة الشعب العراقي وفصائله التحررية، بالدرجة الأولى، وذلك عن طريق تنظيم الناس أنفسهم، في المدن والاحياء الشعبية، والقرى، في لجان ومجالس شعبية مسلحة تكون مهمتها التصدي الفعال لهجمات هذه القوى الإرهابية الظلامية، كما لكل الميليشيات المذهبية المقابلة، والعمل على شلِّها وإحباطها، والقضاء على وجودها، في العراق، بصفاتها هذه، الا انه في نفس الوقت مهمة أممية ايضاً، ويتطلب استنهاض أوسع حملة عالمية لتقديم الدعم  للشعب العراقي، في مسعاه للتصدي لتلك القوى والميليشيات المعادية له، كما لمواجهة النظام الدكتاتوري الطائفي الرأسمالي القائم، وإطاحته، وبالتالي لبناء مستقبلٍ مضيء يتطلع إليه الشعب المذكور يقوم على العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، ويحول دون تمزق العراق، والمضيِّ به إلى التقسيم.

٤) وفي سياق ذلك كله، نرى ضرورة أن يعمل اليسار الثوري، والقوى الديمقراطية، والنسوية، والتقدمية العربية، على مواجهة النهج والسياسات الطائفية والمذهبية، التي تعتمدها الأنظمة العربية، من جهة، والمنظمات الظلامية، والرجعية اليمينية، من جهة أخرى، وذلك من اجل إسقاط الخطر الطائفي – المذهبي، الذي يشكل أحد أهم أسلحة قوى الثورة المضادة، في المنطقة، وتحاول، من خلاله، ضرب المساحة الثورية الجامعة لشعوبها.

٥) واخيراً، ثمة حاجة ماسَّةٌ للإسراع بتقديم الدعم الكافي للاجئين والنازحين، من خلال المنظمات الدولية كافة، للتقليل من حجم الكارثة الإنسانية الراهنة، ومحاصرتها.

 

فلتُحبَط المؤامرة الإقليمية والدولية على الشعب العراقي

وليسقط اي تدخل امبريالي جديد في العراق

ِلتُهْزَم الهجمة الظلامية لداعش وأخواتها

ولينتصرْ الشعب العراقي على أعدائه المحليين والخارجيين

لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد ومستقل

عاش التضامن الشعبي الاممي

 

الموقعون:

منظمة الاشتراكيين الثوريين (مصر) – اتحاد الشيوعيين العراقيين (العراق) – تيار المناضل-ة (المغرب) – تيار اليسار الثوري (سوريا) – رابطة اليسار العمالي (تونس) – المنتدى الاشتراكي (لبنان)

 

2 thoughts on “لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد ومستقل

  1. Will there be English translation of the statement? I am a journalist from a socialist newspaper in South Korea and want to introduce Arab socialist’s view on the sectarian crisis in Iraq to our readers.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s