الشرق الأوسط، شمال افريقيا: السيرورة الثورية في قبضة القوى الرجعية

10959907_10153117640336457_3057400756856187061_n

لقد مرت حتى الآن أربع سنوات تقريبا على بداية السيرورات الثورية بالشرق الأوسط وشمال افريقيا، ورغم عدم انتهاء هذ السيرورات، لم تَبْدُ الأهداف الأولية لهذه السيرورات (ديمقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة) بأي وجه أكثر بعدا

إن القوتين الرئيستين اللتين تميزتا وسادتا خلال بعض الوقت في مشهد المنطقة السياسي هما ممثلو الأنظمة القديمة المستبدة من جهة والقوى الإسلامية الأصولية والرجعية بمختلف مكوناتها (من الإخوان المسلمين إلى الجهاديين. بالطبع ليست هذه القوى متماثلة كليا وبينها اختلافات كبيرة، لكنها تتقاسم موقف معاديا للثورة بوجه الحركات الشعبية وأهداف الثورة) من جهة
أخرى 

في تونس، على سبيل المثال، حزب نداء تونس، ممثل مصالح نظامي بورقيبة وبن علي القديمين هو متصدر الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/أكتوبر الأخير والدور الأول من الانتخابات الرئيسية في تشرين الثاني/نوفمب، يليه ثانيا إسلاميو حزب النهضة الرجعيون

لا تقتصر عودة أو توطيد سلطة ممثلي الأنظمة القديمة في تونس وحسب، ولكنها أيضا ظاهرة إقليمية. في مصر، تمت تبرئة حسني مبارك، يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر، من ما وجه ضده من تهمتين متمثلتين في الفساد وبوجه خاص دوره في قمع وقتل أكثر من 850 متظاهر ومتظاهرة خلال 18 يوم من الانتفاضة الشعبية التي قادت إلى سقوطه، في شباط/فبراير عام 2011. ولقد تمت أيضا تبرئة نجلي مبارك، علاء وجمال، المتهمين باختلاس أو تسهيل اختلاس أكثر من 125 مليون جنيه مصري (حوالي 14 مليون يورو). وتم أيضا إسقاط التهم التي كانت موجهة ضد سبعة مسؤولين أمنيين كبار، ضمنهم وزير الداخلية السابق في ظل حكم مبارك، حبيب العدلي… وللتذكير، منذ وصول السيسي للسلطة، تم قتل ما لا يقل عن 1400 من أنصار الإخوان المسلمين، وتم اعتقال أكثر من 15000 متعاطف ومتعطفة مع هذه المنظمة. لقد تناولتُ من قبل دور الإخوان المسلمين المعادي للثورة، لكن ذلك لا يمنع شجب عنف وجرائم نظام السيسي ضد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين لأن ذلك يشكل انتهاكا ضد الحقوق الديمقراطية الأولية. إن الصمت إزاء هذه الجرائم يعني فسح المجال للثورة المضادة في قمعها وخيانة للمبادئ الأساسية المدافعة عن الحقوق الديمقراطية. كما هاجمت السلطة أيضا المعارضة الليبرالية واليسارية، واعتقلت عدة مناضلين ومناضلات، خاصة بتهمة خرق قانون مثير للجدل يقيد حق التظاهر. إن الثورة المضادة التي يجسدها نظام السيسي مازالت تحرز تقدما، بدعم ثابت من المملكة العربية السعودية ومملكات الخليج، والآن حتى من قطر. إن هذا البلد الأخير، المساند السابق لحركة الإخوان المسلمين في مصر والذي مازال يستقبل مسؤولين من هذه الحركة، عبر عن دعمه لنظام السيسي إثر الضغوطات التي مارستها عليه مختلف مملكات الخليج يوم 9 كانون الأول/ديسمبر عام 2014 في إطار مؤتمر مجلس التعاون الخليجي. ويسعى نظام السيسي في الواقع إلى رد الاعتبار لنظام مبارك وطغمته القديم الاستبدادي بمواصلة نفس السياسات. وفي الوقت ذاته، لم تمارس حركة الإخوان المسلمين التي تعرضت لقمع شديد نقدا ذاتيا عميقا لانتقالها إلى السلطة ولسياستها الاستبدادية والمعادية للثورة. بل عززت الحركة منذ إطاحة مرسي خطابها الطائفي الديني العدواني ضد الأقلية المسيحية القبطية، متهمة إياها بكل أنواع المؤامرات وبكونها المسؤولة الرئيسية عن سقوط الإخوان المسلمين من السلطة، رافضة تقديم دعمها للمطالب الاجتماعية ولإضرابات عمالية عديدة تعرضت لقمع السلطة. لا يكمن شعار الإخوان المسلمين الوحيد الموجه لأنصارهم في أهداف الثورة (ديمقراطية وعدالة اجتماعية)، بل فقط في عودة مرسي

وفي حالة سوريا، بينما فيما مضى كانت مسألة نظام استبدادي بدون الأسد لكن بقيادة بعض أقسام المعارضة السورية (من ليبراليين وإخوان مسلمين) الموالية للغرب ولمملكات الخليج والتي لا تمثل الثوريين السوريين، تحظى بتشجيع مختلف القوى الامبريالية الدولية والإقليمية، تتفق هذه القوى اليوم على الإعلان بأن الأسد يمكنه أن يبقى في نهاية المطاف ويصبح حليفا في ما يسمى «محاربة الإرهاب». هكذا سيتم تبرئة الأسد من كل جرائمه ومن الدمار الذي مارسه جيشه وميليشياته المحلية أو الأجنبية دفاعا عن النظام. علاوة على ذلك يمكن أن نعاين أن تدخل الدول الغربية في سوريا، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبتعاون مع بعض مملكات الخليج لم يكن له تأثير كبير ولم يمنع من تقدم القوى الجهادية، بوجه خاص تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم جبهة النصرة (فرع القاعدة في سوريا)، سواء ضد الثوريين السوريين والمناطق الواقعة تحت سيطرة القوى الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي. وعلى النحو ذاته، مازال مختلف ما يسمى «أصدقاء» الثورة الروسية يرفضون تقديم مساعدة سياسية وعسكرية للقوى الديمقراطية والشعبية بسوريا، بما في ذلك الجيش الحر والمجموعات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (حزب العمال الكردستاني السوري)، التي قاتلت وتقاتل ضد نظام الأسد والقوى الإسلامية الرجعية. وينبغي فضلا على ذلك استحضار أن هذين المكونين الاثنين المتمثلين في الجيش السوري الحر والحزب الاتحاد الديمقراطي إضافة إلى الحركة الشعبية السورية هي التي قاتلت ضد توسع القوى الجهادية والإسلامية الرجعية في سوريا ودفعت ثمنا باهظا بوجه استبداد هذه المجموعات، بينما كان نظام الأسد يسمح بتوسع هذه الأخيرة ويركز قمعه ضد القوى الشعبية، المدنية والعسكرية، الديمقراطية والتقدمية بالبلد

وفي تونس، تمثلت القوتين التي تصدرتا الانتخابات التشريعية في حزب نداء تونس، ممثل مصالح نظامي بورقيبة وبن علي القديمين، وفي حركة النهضة الإسلامية الرجعية، التي كانت في السلطة منذ تشرين الأول/أكتوبر عام 2011 بتحالف مع قوتين سياسيتين أخريتين. يبدو أن حزب نداء تونس بما هو الخيار الأكثر جاذبية بنظر منظمات أرباب العمل التونسية والسفارات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية

ثابر حزب النهضة من جهته على مواصلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية فائقة الليبرالية التي نُهجت في عهد بن علي. ولقد تعهد حزب النهضة أيضا بحماس ثابت باحترام التزامات تونس تجاه الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للحصول على قروض جديدة تتجاوز مليارات عديدة. وفي الآن ذاته، اعتبر الغنوشي في حوار بتاريخ تموز/يوليو عام 2014 أن النقابات الكفاحية والعمال مفرطين أحيانا في مطالبهم، بما في ذلك على مستوى المركزية النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل .علاوة على ذلك يتهم الغنوشي الاتحاد العام التونسي للشغل بكونه إرث فرنسا وأن هذه المؤسسة ليست مسبقا مؤسسة طبيعية للأمة الإسلامية

لم يوقف وصول حزب النهضة إلى السلطة أشكال العنف ضد المعارضين والمعارضات، كما استطعنا معاينة ذلك مع الاغتيالات السياسية. لكن هذا العنف ضد المعارضين حدث أيضا عن طريق الميليشيات المسماة «لجان حماية الثورة» والتي تعتبر مدافعة عن مصالح حزب النهضة. شنت هذه الميليشيات ومجموعات سلفية هجمات عديدة ضد مختلف المجموعات السياسية والمناضلة، خاصة ضد التجمعات السياسية للجبهة الشعبية ومناصريها ومناصراتها، وغيرهم من المناضلين والمناضلات والجمعيات (ضمنهم الفنانون الذين مُنعوا من تقديم عروضهم بتهمة «انتهاك المبادئ الإسلامية»). ويلزم أيضا عدم تجاهل أن ميليشيات لجان حماية الثورة هاجمت مقر نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل بالعاصمة تونس بالهراوات والسكاكين وقنابل الغاز، ما أسفر عن عشرات الجرحى، وذلك يوم 4 كانون الأول/ديسمبر عام 2012، إحياء لذكرى مرور ستين عاما على اغتيال قائد الحركة النقابية ومؤسسها فرحات حشاد

ترافق عنف هذه الميليشيات أيضا مع تشديد قمع الدولة ضد المعارضين والمعارضات وبوجه خاص ضد نقابيين كُثر اعتقلوا مرارا عديدة بسبب نشاطهم النقابي

وقبل اضطرار الترويكا (ائتلاف يتكون من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي هذا المشروع وحزب النهضة)، أي حزب النهضة وحلفائها، للتخلي عن السلطة، صوتت على ميزانية تقشف وسياسات معادية للمجتمع والشعب. كانت التدابير الضريبية الجديدة المضادة صراحة للفئات المتوسطة والشعبية مفجرا لحركة احتجاج واسعة، ما أثار ليس تجميد هذه التدابير وحسب، ولكن أيضا الاستقالة القسرية لرئيس الحكومة، الإسلامي علي العريض

يمكن معاينة الاختلافات التي حدثت بين ممثلي الأنظمة القديمة والقوى الإسلامية الرجعية والأصولية في الانتخابات التونسية الشرعية أو في قمع أعضاء الإخوان المسلمين بمصر من قبل نظام السيسي. هذا لا يعني أن المواجهات العنيفة بين هاتين القوتين لم تفسح المجال لتحالفات وأشكال تعاون في بعض الوقت. وفي الواقع من الضروري استحضار أن حركة الإخوان الإسلامي في مصر بعد سقوط مبارك حافظت على علاقات جيدة مع قادة الجيش بل تعاونت معهم حتى سقوط مرسي في تموز/يوليو عام 2013. ولم يترددوا في الإشادة بدور الجيش كـ«حام للأمة والثورة» مرارا قبل إطاحة مرسي. علاوة على ذلك، لما كان الإخوان المسلمون يهيمنون على البرلمان ويشغلون منصب الرئاسة، لم يضعوا موضع سؤال السلطة السياسية والاقتصادية للجيش، بينما لم يندد هذا الأخير بدوره في القمع ضد الحركة الشعبية المصرية على سيبل المثال خلال 18 يوم من انتفاضة عام 2011 أو بجرائم ماسبيرو في تشرين الثاني/نونبر عام 2011 ضد المتظاهرين والمتظاهرات المصريين الأقباط

في تونس، تعاون حزب نداء تونس وحزب النهضة أيضا مرارا في ما مضى ولم يخفيا نواياهما للقيام بذلك مستقبلا. وفي حوار خلال تشرين الأول/أكوبر عام 2014، لم يستبعد رشيد الغنوشي إمكانية العمل مع حزب نداء تونس وأضاف أن حزب النهضة هو من منع اعتماد قانون تحصين الثورة ما مكن أشخاصا منتمين للنظام القديم من الترشح للانتخابات. وعقب فوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية، لم يكن نائب رئيس حزب النهضة عبد الفتاح مورو ضد مشاركة حزب النهضة في الحكومة المقبلة. لقد صرح قائد حركة نداء تونس والمرشح لرئاسة الجمهورية، باجي قائد السبسي، أن حركة النهضة لا تشكل عدوا بل أشار إلى أنه إذا كانت المصلحة العليا للدولة تفرض ذلك، فلن يتردد حزب نداء تونس في أي وقت من الأوقات في تشكيل جبهة مع حزب النهضة وهذا لن يشكل خيانة لمن صوتوا لحزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية

وخلال أولى جلسات البرلمان، تمت ملاحظة أيضا هذا التعاون. وكان التصويت الوحيد الذي اتخذ يوم 2 كانون الأول/ديسمبر يتعلق بتعليق الجلسات لمدة 48 ساعة، لإتاحة مزيد من الوقت لحزب نداء تونس وحزب النهضة للتفاوض بينهم  و/أو كسب كل واحد منهم حلفاء. كانت الجبهة الشعبية المجموعة البرلمانية الوحيدة التي عارضت ذلك وانضم إليها فقط نواب برلمانيون مستقلون. وخلال الجلسة الثانية في يوم الخميس 4 أيلول/سبتمبر، صوت حزب نداء تونس وحزب النهضة معا من جديد على المناصب الثلاثة في السلطة

وللتذكير، كان بارون عالم الأعمال ومساند حزب النهضة محمد الفريخة قد صرح أن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (جمعية أرباب العمل بتونس) اقترح على مختلف الأحزاب، بما في ذلك حزب النهضة، إدراج رجال أعمال في لائحتها وأضاف أن ثمة إجماعا معينا حول الخط الاقتصادي، بوجه خاص لدى حزب النهضة وحزب نداء تونس، وغيرهما مثل حزب آفاق تونس (حزب فائق اللبرالية)

وختاما، يشكل هذان الفاعلان المتكونان من ممثلي النظام القديم والقوى الإسلامية الرجعية والأصولية، أعداء للأهداف الأولية للسيرورة الثورية. لقد هاجمت هاتين القوتين الحركات الشعبية والمناضلين والمجموعات التي تحمل الأهداف الأولية للسيرورة الثورية

يتعلق الأمر بقوتين معاديتين للثورة وهذا رغم دعاوة سياسية مختلفة. يقدم ممثلو الأنظمة القديمة أنفسهم بما هم مدافعون عن الحداثة، ومنقذو وحدة الأمة وأبطال محاربة «الإرهاب». وتقدم القوى الإسلامية الرجعية والأصولية نفسها من جهة بما هي المسؤولة عن الدين الإسلامي والأخلاق وأصالة الهوية الإسلامية والعربية، بإقامة علاقة مع «الأمة» الإسلامية

يجب أن لا ينسينا هذان الخطابان، المتباينان على ما يبدو، أن هاتين الحركتين تتقاسمان مشروعا سياسيا متشابه للغاية قائم على الرغبة في الحد من الحقوق الديمقراطية والاجتماعية وقمعها، سعيا لضمان نظام الإنتاج الرأسمالي ومواصلة السياسات النيوليبرالية التي تفقر الطبقات الشعبية بالمنطقة. وعلى النحو ذاته لن تترد هاتان القوتان المعاديتان للثورة في استعمال خطاب يستهدف زرع الانقسامات والتناحرات في الطبقات الشعبية على أسس طائفية دينية واثنية وقائمة على النوع وإقليمية، الخ

بالنسبة لمن يختارون رجالا ونساء، دعم إحدى هاتين القوتين المعاديتين للثورة بتقديمها بما هي خيار أقل «الضررين»، فهم يختارون في الواقع الهزيمة والحفاظ على نظام جائر تعيش فيه الفئات الشعبية بالمنطقة. لا يتجلى دور الثوريين في الخيار بين مختلف فصائل البرجوازية أو مختلف الفصائل المعادية للثورة التي تحظى بدعم مختلف ممثلي الامبريالية الدولية والامبريالية الفرعية بالمنطقة

يتجلى دورنا في معارضة مختلف قوى الثورة المضادة وبناء جبهة مستقلة عن هذين الشكلين من أشكال الرجعية والانخراط في النضال على أسس ديمقراطية واجتماعية ومعادية للامبريالية والتصدي لكل أشكال الميز والعمل من أجل تغيير المجتمع جذريا في إطار دينامية من أسفل تجعل من الفئات الشعبية الفاعل في التغيير

ختاما، علينا بوجه هذه المواجهات أو التعاون بين قوى الرجعية، عدم اختيار شكل من أشكال الرجعية، لكن دعم وبناء وتنظيم بديل شعبي وجذري من أجل تحقيق الأهداف الأولية للثورات المتمثلة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة

جوزيف ضاهر

9 كانون الأول/ديسمبر عام 2014

تعريب: المناضل-ة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s