‫أزمة اليمن والتدخلات الامبريالية الرجعية‬

Yemen_Graffiti_pic_7

نهاية شهر آذار/مارس عام 2015، أطلق تدخل عسكري واسع، باسم “عاصفة الحزم” الذي تشكل من تسع دول عربية (خمسة منها هي من بلدان مجلس التعاون الخليجي، السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر باستثناء عمان)، بالإضافة إلى مصر والمغرب والأردن والسودان) وفي البداية حظي هذا التحالف بدعم من باكستان، ولكن برلمان اسلام آباد صوت أخيرا لعدم المشاركة في التدخل العسكري بقيادة السعودية “لتكون قادرة على لعب دور دبلوماسي استباقي لإنهاء الأزمة”. والسعودية طلبت من باكستان توفير السفن والطائرات والقوات للحملة.‬

‫تقود السعودية التدخل العسكري بذريعة مواجهة ميليشيات الحوثي (من الطائفة الزيدية القريبة من الطائفة الشيعية)، أو المعروفة باسم أنصار الله. تولى الحوثيون السيطرة الكاملة على العاصمة صنعاء في كانون الثاني/يناير عام 2015، ولكن التواجد العسكري الكبير كان قد بدأ منذ شهر أيلول/سبتمبر عام 2014، بتواطؤ من القوات الجوية القريبة من الديكتاتور السابق علي عبد الله صالح، الأمر الذي دفع برئيس الوزراء في ذلك الوقت إلى الاستقالة. توسع الحوثيون بعمليتهم العسكرية منذ أواخر آذار/مارس إلى جنوب البلاد.‬

‫وفي الوقت نفسه، قررت أربع محافظات في جنوب اليمن، من ضمنها عدن، رفض الأوامر من العاصمة صنعاء منذ السيطرة على المدينة من قبل الحوثيين، وأيضا رفضت تلقي الأوامر من الوحدات العسكرية والقوى الأمنية في هذه المناطق. عدن، ثاني أكبر مدينة يمنية، لا تزال مسرحا لاشتباكات بين مؤيدي ومعارضي الرئيس عبد ربه منصور هادي.‬

‫ودعا أنصار الرئيس هادي قوات التحالف بقيادة السعودية لإرسال قوات برية في اليمن وعدم اقتصار التدخل على الغارات الجوية. ومع ذلك، فإن إمكانية السعودية الشروع بعملية برية عسكرية جديدة في اليمن محفوفة بمخاطر حقيقية بعد هزيمتها عام 2009 في البلاد، خلال هجماتها ضد ميليشيات الحوثي في المناطق الجبلية في شمال اليمن.‬

‫وكانت قوات الحوثي، ووفقا لمصادر مختلفة، قد حظيت بدعم إيراني تمثل بإمدادها بالأسلحة والمال والتدريب العسكري، في حين أعلن مسؤول ايراني كبير في كانون الأول/ديسمبر 2014 أن فيلق القدس، الذراع الخارجي للحرس الثوري، المتشكل من “بضعة مئات” من العسكريين في اليمن الذين يدربون المقاتلين الحوثيين (1). وقد تلقى الحوثيون أيضا بعض المساعدة من حزب الله الذي وفر الدعم اللوجستي العسكري. ووفقا لبعض المصادر، تم رصد الوحدة العسكرية 3800 من حزب الله بقيادة خليل حرب في اليمن عام 2012 لتدريب المتمردين الحوثيين في اليمن واتهمت بتسهيل مرور كميات كبيرة من العملة لهم (2). وبالإضافة إلى ذلك، تم دفن الشيخ محمد عبد الملك الشامي، أحد قادة الحوثيين، الذي توفي متأثرا بجراحه في هجوم إرهابي شنته الدولة الإسلامية في اليمن في آذار/مارس في “مقبرة الشهداء” في الضاحية الجنوبية في بيروت، إلى جانب شخصيات بارزة من حزب الله. الشامي عاش لمدة 17 عاما في لبنان. وكان الممثل الخاص لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في ​​لبنان وسوريا.‬

‫تدخلت إيران، كما ممالك الخليج، بالفعل في المنطقة (سوريا، لبنان والعراق واليمن) لدعم الأنظمة الاستبدادية أو القوى الرجعية لتوسيع نفوذها السياسي في المنطقة، في ظل التوترات الدينية الطائفية  الشيعية ‪-‬ السنية التي تفاقمت بفعل النزاع الإيراني- الخليجي.‬

‫وأدانت إيران التدخل العسكري السعودي في اليمن، ووصف علي خامنئي التدخل العسكري بـ”الإبادة الجماعية”. ودعت ايران الى وقف العملية العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، مشددة على ضرورة إقامة “حوار في مكان محايد بمشاركة جميع الفصائل السياسية اليمنية للتوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة وطنية”‪.‬‬

‫قضايا داخلية في اليمن‬

‫حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، نائب الرئيس السابق للبلاد وحليف وثيق للسعودية، حيث لجأ، وممالك الخليج، هزمت بالكامل بفعل التقدم العسكري للحوثيين المتحالفين في هذا الظرف مع عدوه السابق الديكتاتور السابق علي عبد الله صالح، الذي كان قد خاض بين عامي 2004 و2009 (حيث تسببت المعارك بوفاة أكثر من 10 آلاف شخص وتهجير أكثر من 300000 شخص) واتهمهم بالتبعية لإيران. وكان صالح في الواقع أيضا الحليف السابق لممالك الخليج والولايات المتحدة.‬

‫وكان صالح قد طرد من الحكم عقب التوصل إلى حل تفاوضي بإشراف سعودي وأميركي عام 2011 بعد بداية الانتفاضة الشعبية في البلاد، ولكنه أبقى النظام على حاله، مع انضمام بعض القوى السياسية بما في ذلك أنصار حزب الإصلاح، الذي يتألف من الفرع اليمني لجماعة الإخوان مسلمين، ومن السلفيين وزعماء العشائر في الشمال، ولا سيما عشيرة آل الأحمر القوية. واستفاد صالح من ولاء جزء كبير من الأجهزة الأمنية والجيش، في حين استمر في عمله كرئيس للمؤتمر الشعبي العام، الحزب الحاكم في وقته. كما استفاد صالح نتيجة التوصل إلى الحل التفاوضي عام 2011 من الحصانة القانونية وحافظ على المال الذي راكمه كرئيس (لأكثر من 30 عاما!)، والمقدر بأكثر من 60 مليار دولار وفقا لتقرير للامم المتحدة في شباط/فبراير عام 2015.‬

‫وقد تمكن الحوثيون من التقدم بفعل ضعف الدولة منذ انتفاضة عام 2011، في ظل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية العميقة. وتمثلت هذه المشاكل بارتفاع نسبة البطالة بين الطلاب، ووقف الدعم لمنتجات أساسية مثل الغاز والوقود الأمر الذي أشعل غضب الطبقات الشعبية. بالإضافة إلى ذلك، تعرضت أراضي الفلاحين، للاستيلاء على يد زعماء العشائر.‬

‫حدث الهجوم العسكري أيضا في وقت لا زال اليمنيون ينتظرون منذ أيلول/سبتمبر 2014 تنفيذ نتائج مؤتمر الحوار الوطني (والذي شمل إقامة نظام فيدرالي، إعادة التفاوض على صلاحيات الرئيس، الخ) واختتم تحت رعاية السعودية، ولكن الذي انتقدته العديد من الجهات الفاعلة اليمنية، بما في ذلك الحوثيون.‬

‫هذا بالنسبة إلى الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء الأزمة في اليمن. ومن جهة أخرى، ترتبط الأزمة أيضا بالتوترات الإقليمية مع الشمال (مع الحركة الحوثية) والجنوب (الحركة الانفصالية) من البلاد ضد السلطة المركزية في صنعاء. وإضافة إلى ذلك، فإن الصراع في اليمن قد اتخذ على نحو متزايد شكلا طائفيا، دون أن يكون السمة الغالبة. وقد لوحظ هذا مع اغتيال الحوثي مفكر عبد الكريم الخيواني في 18 آذار/مارس عام 2015، وبعد ذلك بيومين مع هجوم ضد اثنين من المساجد الزيدية في صنعاء أسفرت عن مقتل أكثر من 150 شخص. وقد تبنى هذه الهجمات تنظيم الدولة الإسلامية، وغير العامل سابقا في اليمن. والواقع أن تقدم الحوثيين في المناطق السنية في بعض المناطق الشمالية من اليمن، تعز خاصة، والآن عدن، أسفر عن استياء عميق، بالإضافة إلى المواجهة ضد الجماعات الجهادية السنية الوثيقة الصلة مع تنظيم القاعدة أو اليوم الذي يدعي أنه من الدولة الإسلامية.‬

‫على الجانب الآخر، في الجنوب، حيث السكان هم حصرا من السنة، ازداد رفض التمرد الحوثي، وبالتالي المذهب الشيعي ولكن أيضا في الشمال. وبالإضافة إلى ذلك، الحصن الرئيسي لتقدم من الحوثيين تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، الذي هو على تحالف مع العشائر في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب في محافظة البيضاء، الضالع ويافع. في هذا السياق، مكافحة الحوثية، تحولت إلى مكافحة المذهب الشيعي. ‬

‫التدخل العسكري الرجعي‬

‫الحملة العسكرية ضد اليمن بقيادة السعودية تحظى بدعم من الحكومات الإمبريالية الغربية من تركيا، وغالبية كبرى من الأنظمة العربية في المنطقة. أذن الرئيس باراك أوباما بتقديم الدعم اللوجستي والاستخبارات لدعم العمليات العسكرية للتحالف، في حين تم إنشاء خلية تخطيط مشترك مع السعودية. التدخلات الرجعية من السعودية في اليمن ليست جديدة، وبالفعل في الستينات، دعمت بكل الوسائل قوات الملكيين في اليمن الشمالي (التي تألفت في ذلك الوقت من العشائر الزيدية) ضد الثورة اليمنية، مدعومة من نظام عبد الناصر، رغم أن هذا الأخير لم يدعم المطالب الشعبية للثوار اليمنيين.‬

‫وللتذكير، تدخلت السعودية، وبمساعدة من ممالك الخليج الرجعية، في مجريات السيرورة الثورية في المنطقة من خلال لعب دور الثورة المضادة في دعم الأنظمة القديمة (تونس ومصر) أو القوى الرجعية الأصولية (سوريا أو العراق)، باستثناء قطر التي دعمت الجانب الآخر من الثورة المضادة حركة الإخوان المسلمين. وتجاوزت هذه الاختلافات في حالة التدخل في اليمن، حيث نرى كل قوى الثورة المضادة التي تدعم هذه الحملة العسكرية. وهي تذكرنا أن المنافسة التكتيكية والاختلافات بين السعودية وقطر قد تبددت عندما جرى تهديد مصالحهما المشتركة، كما حصل في التدخل العسكري المشترك لمجلس تعاون دول الخليج العربية آذار/مارس 2011 في البحرين لسحق انتفاضة شعبية ضد نظام حليف.‬

‫وأدى التدخل العسكري في اليمن وفقا للدعاية السعودية إلى “إنقاذ الجار والسلطة الشرعية”، ولكن هذا التدخل هو بالطبع لتحقيق أهداف أخرى: الدفاع عن منطقة نفوذ لممالك الخليج، وخاصة السعودية، ومنع الحوثيين من الوصول إلى عدن وباب المندب، والتي، مع مضيق هرمز تشكل نقطة عبور النفط، ما يقارب ثلاثة ملايين برميل يوميا من النفط الخام، بالإضافة إلى الغاز الخليجي. كما إن التدخل هو أيضا رسالة أرسلت إلى الأقليات الشيعية المضطهدة في السعودية لكي تبقى هادئة‪.‬‬

‫بالإضافة إلى ذلك، منذ 11 سبتمبر 2001 اليمن هو مركز رئيسي لـ”الحرب على الإرهاب” حين تمركزت بعض القوات الخاصة الأميركية هناك، لتنسيق الإجراءات ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (بما في ذلك شن هجمات الطائرات بدون طيار). أجلت الولايات المتحدة قاعدتها من العند بعد تقدم الحوثيين إلى عدن. لكن هذا لم يمنع الولايات المتحدة من الاستمرار باستخدام طائرات بدون طيار لمهاجمة القاعدة. وقتلت غارة طائرة أميركية بدون طيار إبراهيم الربيش، وهو المتحدث باسم فرع تنظيم القاعدة في اليمن. الربيش، هو مواطن سعودي يبلغ من العمر 35 عاما، كان قد سجن لمدة خمس سنوات في السجن العسكري للولايات المتحدة في خليج غوانتانامو.‬

‫كل هذا يحدث في سياق معركة بين الامبريالية الإقليمية بين إيران ومجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية. يوضح الانتشار السعودي العسكري الواسع الأهمية التي توليها المملكة إلى اليمن: حيث تشارك في القصف أكثر من مئة طائرة هجومية وحشدت 150،000 جندي على الحدود مع اليمن. بالإضافة إلى أن هذا التدخل يحدث في ظل التراجع النسبي للإمبريالية الأميركية منذ عام 2003 الذي يسمح للقوى الامبريالية الإقليمية للعب دور أكبر في المنطقة ومنحها المزيد من التصرف الذاتي.‬

‫ضمن هذا المنظور إن التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن الجاري، في الوقت الذي جرى فيه عقد الاتفاقات بين القوى الغربية وإيران حول القضية النووية، ليس مصادفة. إنها رسالة واضحة من السعودية إلى الولايات المتحدة لتأخذ في عين الاعتبار مصالحها السياسية التي لا تتلاءم مع حصول أي نوع من التقارب الأميركي مع إيران على حساب النظام السعودي. هذا الأخير قلق حقا وتذمر في عدة مناسبات من أن الإدارة الأميركية لا تأخذ بعين الاعتبار بشكل جدي توسع النفوذ السياسي لإيران في المنطقة.‬

خاتمة‬

‫وبالتالي، إن الحملة العسكرية التي تقودها السعودية ليست بهدف الدفاع عن حق تقرير المصير للشعب اليمني، والسماح لهم بتحقيق أهداف الانتفاضة الشعبية التي بدأت عام 2011.‬

‫كما أن أول ضحايا قصف التحالف الرجعي هم من بين المدنيين اليمنيين، عدة مئات من القتلى، بينهم أطفال، وأصيب بضعة آلاف، وعشرات الآلاف من النازحين، ناهيك عن الدمار الواسع الناجم عن القتال والقصف. وقد أعلنت العديد من المنظمات الإنسانية أن وضع المدنيين كارثي.‬

‫يجب على المنظمات التقدمية ان تعارض هذا التدخل العسكري بقيادة ائتلاف الثورة المضادة بقيادة السعودية وبدعم من الأنظمة الغربية، فضلا عن معارضة تدخلات إيران الداعمة للانقلاب العسكري من الحوثيين بمساعدة الديكتاتور السابق صالح. لا تحمل أو تدعم هاتان القوتان إرادة التغيير الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعبر عنها الطبقات الشعبية في اليمن أو في أي مكان آخر في المنطقة.‬

‫كل التضامن مع الطبقات الشعبية اليمنية التي بدأت سيرورتها الثورية عام 2011 من أجل الحرية والكرامة والتي تعارض كل القوى المضادة للثورة.‬

‫2015/04/15

جوزف ضاهر

‏‫1) http://www.reuters.com/article/2014/12/15/us-yemen-houthis-iran-insight-idUSKBN0JT17A20141215‬

‏‫2) http://iswiraq.blogspot.ch/2014/08/echoes-of-syria-hezbollah-reemerges-in.html‬

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s