فهم الثورة في سوريا: رد على مقال مايريد ماغواير

10408513_738913926189656_1290533193934008529_n
 ادعت مايريد ماغواير في مقالها “المجموعات السلمية السورية: هذه ليست حربا اهلية، انها مجموعة اعتداءات خارجية” أن “سوريا ستقاد من تدخلات خارجية وقوى داخلية مدمرة، إلى أن تواجه نفس المصير الرهيب الذي واجهه كل من العراق وأفغانستان وأوكرانيا واليمن والعديد من الدول.”

في هذا المقال، سأقوم بعرض النقاط التالية:

* ماغواير تتحدث عن الجغرافيا السياسية والتدخل الاجنبي، وتتجاهل الخصخصة و”الاصلاحات” النيوليبرالية التي أدت إلى انفجار اجتماعي.

* الحكومة الأميركية لم ترِد أبدا إسقاط نظام الاسد، إنما تغيير الوجوه في المناصب العليا وهذا هو جل ما كانت ترغب به.

* تركيا والسعودية وقطر دفعوا عموما من خلال وسائل شتّى لتحويل الثورة إلى حرب دينية طائفيّة، ولكن العديد من القوى الثورية السورية استمرت في النضال من أجل الأهداف الأولية بالرغم من الصعاب الميؤوس من زوالها.

* مقدار الدعم للأسد من إيران وروسيا وحزب الله يقزم المعونة المقدمة للمقاتلين المناهضين للنظام من أي نوع.

مايريد ماغواير، كأغلبية المراقبين، حللت السيرورة الثورية السورية من ناحية جيوسياسية، من فوق، متجاهلة الديناميات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى القاعدة. هذه معضلة كبيرة، حيث أنه تم تناسي أن السيرورة الثورية السورية هي جزء من حركة شعبية إقليمية، كانت وما تزال تزعزع منطقة الشرق الاوسط برمتها، مع الانتفاضات الشعبية الجديدة التي بدأت الصيف الماضي في العراق ولبنان. ما زال الثوار في سوريا يناضلون، مثل غيرهم من الناشطين في دول المنطقة، من أجل الحرية والكرامة، وأيضا ضد الأنظمة الاستبدادية والجماعات الاسلامية والجهاديين الذين هم يعارضون أهدافهم.

تنسى ماغواير تماما أن السياسات النيوليبرالية تسارع تطبيقها بشكل هائل عندما تولى بشار الأسد السلطة عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد، الذي كان في السلطة منذ عام 1970. هذه السياسات، المتسارعة مع القمع الفظ لاي احتجاج للطبقة الشعبية أو العاملة منذ أوائل الـ2000ات، أدت الى آثار مدمرة. في الوقت نفسه، أصبح نظام الأسد أكثر اعتمادا على عشيرة الأسد-مخلوف، تميز حكمه بمقدار واسع من المحسوبية والتحكم بالفرص والرشاوى على حساب عملاء النظام القديم. رامي مخلوف، ابن خال بشار الاسد، هو تمثيل حي لعملية الخصخصة بالأسلوب المافيوي الذي يقوده النظام. خلقت عملية الخصخصة احتكارات جديدة بأيدي أقرباء بشار الأسد، في حين ضعفت نوعية السلع والخدمات.

قام الأسد أيضا بإضعاف أجهزة حزب البعث ونقابات العمال والفلاحين لأنها كانت تعتبر عقبة أمام الاصلاح الاقتصادي النيوليبرالي. لذلك حرمهم النظام من التمويل وهاجم السلطات الحامية لها. وكما أوضح البروفيسور، ريموند هينبوش “فإن ذلك أدى إلى إضعاف العلاقة بين النظام وجمهوره، وإلى إضعاف تغلغله في الأحياء والقرى. عوّضت القوى الأمنية هذا الفراغ، ولكنها كانت بدورها تتقاضى أجورا منخفضة جدا، وكانت فاسدة ومنحلّة. علاوة على ذلك، فإن قيام الأسد بكبح قدرتها على الاستغناء عن المحسوبية والاعفاءات القانونية، مثل التساهل مع التهريب، قلص من قدرتها على استمالة وجهاء المجتمع كشيوخ القبائل. والدليل على ذلك كان اندلاع الصراعات الطائفية/ القبلية (بين البدو والدروز في السويداء، وبين العلويين والاسماعيليين في مصياف) لمدة نصف عقد، مما برهن تآكل النظام. حيث أن المواطنين اذا ذهبوا مرة واحدة إلى حزب محلي أو إلى مسؤولي النقابات من أجل الحصول على الإرشاد أو المطالبة بالإصلاح، فإنهم اقتربوا على نحو متزايد من وجهاء القبائل والطوائف والأديان.” (1)

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كان القطاع الخاص قبل الانتفاضة الشعبية يسهم في ما يصل إلى 65% من الناتج المحلي الاجمالي (وأكثر من 70% بحسب تقديرات أخرى) وهو يعتبر الموظِّف الأكبر إذ أن 75% من القوى العاملة في سوريا يعملون في القطاع الخاص. (2)

عشية انتفاضة آذار عام 2011، بلغ معدل البطالة نسبة 14.9%- وفقا للأرقام الرسمية، و20-25% وفقا لمصادر أخرى. هذا المعدل كان 33.7% و39.3% على التوالي عند أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 20-24 و15-19 عاما. عام 2007، بلغت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 33%، أي ما يقارب سبعة ملايين شخص، في حين أن 30% منهم فقط يعيشون مباشرة فوق هذا الخط. (3) نسبة الفقراء هي أعلى في المناطق الريفية (62%) من المناطق الحضرية (38%). الفقر أكثر انتشارا، أثر تاصلا ووضوحا (58.1%) في الشمال الغربي والشمال الشرقي (محافظات إدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة) ، حيث يعيش 45% من السكان. (4)


إن نمو الناتج المحلي الإجمالي والدخل الحقيقي للفرد قد بدأ بالتناقص منذ مطلع التسعينيات. دفع ذلك النظام لمواصلة سياساته النيوليبرالية، والبحث عن المزيد من رؤوس الأموال الخاصة. في هذا الوقت كانت ملكية الأرض تتركز بشكل متزايد في عدد قليل من المالكين. العنوان الرئيسي لصحيفة ساخرة كان قد صاغ ذلك بشكل جيد: “بعد 43 عاما من الاشتراكية، يعود الاقطاع.”

أما في الزراعة، فلا يجب النظر إلى خصخصة الاراضي بسبب الجفاف على حساب مئات الآلاف من فلّاحي الشمال الشرقي، بدءا من عام 2008، على أن ذلك هو نتيجة لكارثة طبيعية بسيطة. إن النمو وتكثيف استغلال الأراضي من الشركات الزراعية الكبرى- ومن ضمنها الأراضي المحتفظ بها سابقا للرعي، وحتى للحفر غير القانوني للآبار-، وكذلك انشاء تمديدات المياه لتتلاءم مع متطلبات الملّاك الرئيسيين الجدد- مهد كل ذلك لفساد الإدارة المحلية التي رافقت الأزمة الزراعية. عام 2008، 28% من المزارعين كانوا يستغلون 75% من الأراضي المرويّة، في حين أن 49% منهم كانوا يملكون 10% فقط منها، مما يدل على استمرارية عدم المساواة داخل القطاع الزراعي. (5) كان صغار المزارعين المالكين للأراضي في ضواحي المدن يقومون ببيع الملكيات الزراعية الصغيرة بأسعار مرتفعة على نحو متزايد، بينما كانت الأموال من الخارج (الخليج خصوصا) تصب في البلاد.

كانت سياسات نظام الاسد مقادة تماما من قبل ديناميات نيوليبرالية، مع جعل تراكم رأس المال والنمو أولوية إلى حد إهمال المساواة والتوزيع. فأصبح القطاع الخاص الحقل الرئيسي للاستثمارات وفرص العمل، ولكنه بالرغم من ذلك لم يستطع تعويض الفراغ الذي خلّفه انحدار القطاع العام. في الوقت عينه، تضاءلت استثمارات الدولة في الخدمات الاجتماعية إلى حد كبير، في حين زال الدعم الحكومي أو تقلّص تدريجيا في للمنتجات الزراعية  والوقود وغيرها… أحيلت مسؤولية الخدمات الاجتماعية إلى الجمعيات الخيرية الخاصة، تليها الطبقات البرجوازية والمحافظة في المجتمع. أما في مجال الصحة، فقد انسحب النظام تباعا، متيحا المزيد من المساحة للجمعيات الخيرية، الدينية منها خصوصا. عام 2004، تم تسجيل 290 منظمة إسلامية من أصل 584 منظمة خيرية، معظمها كان ناشطا في دمشق وضواحيها. كانت هذه الجمعيات متمركزة في المساجد المحلية والأحياء الفقيرة، ومن بين أكثر من 100 منظمة خيرية في العاصمة، هناك ما يقارب الـ80% منها جمعيات سنية: وهي تشكل شبكة تخدم حوالي 73،000 عائلة بميزانية تبلغ نحو824 مليون ليرة سورية، أو 18 مليون دولار. (6)

السياسات النيوليبرالية عززت الجمعيات الدينية وشبكات النشر الخاصة بها في سوريا، سواء أكانت اسلامية أو مسيحية، منمّية دورها في المجتمع على حساب الدولة. وفي الحقيقة قام بشار الأسد باستئناف استراتيجية تعزيز القطاعات الاسلامية التقليدية كما فعل والده.

يجب أيضا أن لا ننسى استبداد النظام تجاه أي شكل من أشكال المعارضة في البلاد على مدى عقود، ولقد تجاهلت ماغواير ذلك تماما.

بالإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكامنة وراء الانتفاضة الشعبية في سوريا، تحدثت ماغواير عن الحروب غير المباشرة ضد النظام السوري. فقد كانت القوات الخارجية المؤيدة للنظام الأكثر حضورا إلى جانبه كما لعبت دورا مصيريا في إنقاذه، في حين أن ما يسمى بأصدقاء سوريا لم يشكلوا دعما حقيقيا للثورة السورية، كما سنرى.

تغيير النظام؟

“إن الولايات المتحدة وشركاءنا لا يسعون لما يسمى بتغيير النظام.” هذا ما قاله كيري للصحافيين في العاصمة الروسية عقب لقائه بالرئيس فلاديمير بوتين.

كيري قال كلماته في 15 كانون الأول/ديسمبر 2015. شكل ذلك صدمة بالنسبة للبعض، وكثير من الناس كانوا يدعمون فكرة أن تغيير النظام كان هدف الولايات المتحدة الأميركية والدول الامبريالية الغربية بشكل عام منذ اليوم الأول للانتفاضة في سوريا والمنطقة. ولكن في الواقع، كان ذلك بعيد كل البعد عن الصحة.

إن أهداف الولايات المتحدة والقوى الغربية منذ بداية الثورة السورية لم تكن مساعدة ودعم الثوار السوريين أو إسقاط نظام الأسد. ولكن على العكس، فالولايات المتحدة الأميركية كانت قد حاولت التوصل إلى اتفاق بين نظام الأسد (أو قسم منه) والمعارضة المرتبطة بالأنظمة الغربية والخليجية وتركيا، والتي يمثلها اليوم الائتلاف الوطني السوري للثورة السورية، إلى جانب القوات المعارضة. هذه “الحلول على الطريقة اليمنية” تصون بنية الأنظمة القديمة وتضمن الترتيب النيوليبرالي والامبريالي الذي كان قائما قبل عام 2011.

ويمكننا أن نرى ذلك من خلال سياسات الولايات المتحدة بما يتعلق بسوريا على مر السنوات الماضية، ولكن من دون أن ننسى أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كانت قد اعتبرت الديكتاتور بشار الاسد عند بداية الثورة بأنه “اصلاحي” وأضافت بأن “العديد من أعضاء الكونغرس المنتمين إلى الحزبين [الديمقراطي والجمهوري] الذين زاروا سوريا في الأشهر السابقة قالوا أنهم يعتقدون بأنه اصلاحي.” (7)

عام 2011، وبينما كان النظام مستمرا في قمع التظاهرات، والجنود قد بدأوا بالانشقاق عن الجيش، حدد مسؤولون في المخابرات الأميركية ضباطا من الأقلية العلويّة وأيقنوا بأنهم قادرين على تغيير النظام. وكانت سياسة واشنطن عام 2011 هي الوصول إلى نقطة التحول في سوريا من خلال إيجاد فجوات في النظام ومن خلال تقديم حوافز للناس لجعلهم يتخلون عن الاسد، ولكن تماسك النظام ازداد قوة واشتد القمع. (8) في آب/أغسطس 2011، طالب أوباما الأسد بالتنحي، ولكن دون تغيير جوهر السياسة الأميركية بشأن سوريا كما شرحناه أعلاه: يجب الحفاظ على النظام، مع القيام بالقليل من التغييرات السطحية فقط.

كما يمكننا ان نرى من خلال توصيات جنيف 30 حزيران/يونيو 2013،  والتي تم الاتفاق عليها بالاجماع من قبل الأعضاء الدائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي، فإنه يجوز للأسد أن يعمل ضمن هيئة الحكم الانتقالي. حتى أنه بإمكانه أن يترأسها، وكل ما كان مطلوبا هو موافقة وفد المعارضة. وكذلك الأمر بالنسبة للمندوبين الممثلين للجمهورية العربية السورية- النظام والحكومة- حيث أنهم يمكنهم الامتناع عن الموافقة على الأشخاص الذين تم ترشيحهم من قبل المعارضة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب أو انعدام أي نوع من المساعدة العسكرية المنظمة والحاسمة “الكبيرة” من الولايات المتحدة و/أو الدول الغربية لثوار سوريا هو دليل آخر على عدم وجود أي رغبة لاي تغيير جذري في سوريا. نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مقالا في كانون الثاني/يناير 2015 عن موضوع مساعدات وكالة الاستخبارات الأميركية:

“كانت بعض شحنات الأسلحة قليلة جدا لدرجة اضطرار القادة لتقنين استعمال الذخيرة. حصل أحد القادة الموثوقين المفضلين لدى الولايات المتحدة على ما يعادل 16 رصاصة لكل مقاتل شهريا. وقيل للزعماء المتمردين أنهم مرغمين على تسليم قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات القديمة للحصول على أخرى جديدة- وأنه لا يمكنهم الحصول على قذائف للدبابات التي تم الاستيلاء عليها. وعندما طالبوا بالذخيرة من أجل محاربة المقاتلين المنتمين للقاعدة، كان جواب الولايات المتحدة سلبيا.” (9)

علاوة على ذلك، فقد استمرت الولايات المتحدة بمعارضة منذ بداية اندلاع الانتفاضة تزويد قوات الجيش السوري الحر بصواريخ مضادة للطائرات، قادرة على اسقاط الطائرات الحربية. (10)

وتنص خطة باراك أوباما، التي وافق عليها الكونجرس الأميركي، على تسليح 5،000-10،000 مقاتل سوري بـ500 مليون دولار والتي لم تنفذ يوما، ولم يكن الهدف منها الاطاحة بنظام الأسد، كما يمكننا أن نستنتج من البيان الرسمي:

“يخول وزير الدفاع، بالتنسيق مع وزير الخارجية، بتقديم المساعدة، بما في ذلك التدريب والمعدات والتجهيزات، والمساندة، من أجل معاينة عناصر المعارضة السورية وغيرهم من الأفراد والجماعات السورية بشكل مناسب، وذلك للأغراض التالية:

* الدفاع عن الشعب السوري بوجه هجمات داعش، وضمان الأمن في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة السورية.

* حماية الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها والشعب السوري من تهديدات الإرهابيين في سوريا.

* تامين الظروف الملائمة لصياغة تسوية يتم التفاوض عليها من أجل حصر الصراع في سوريا.” (11)

باءت هذه الخطة بالفشل. فقد اعترفت منسقة السياسة في البنتاغون كريستين وورموث بأن “هذا البرنامج هو أصغر بكثير مما أملنا بأن يكون،” قائلة إن هنالك ما بين 100 و120 مقاتلا يتدربون حاليا، وأضافت أنهم “كانوا يتلقون تدريبا هائلا.” (12) وأخبر جنرال عسكري الكونغرس أن الولايات المتحدة قد نجحت بتدريب “أربعة أو خمسة” جنود من المعارضة فقط.

قام رئيس هيئة الأركان لمجموعة المتمردين السوريين اللواء 30 الذين دربتهم الولايات المتحدة بالاستقالة من منصبه والانسحاب من البرنامج عام 2015. من الأسباب التي ذكرها هي “عدم وجود أعداد كافية من المتدربين” و”انعدام الجدية في تنفيذ مشروع اللواء 30.” (13) والمشكلة الأخرى التي واجهتها الولايات المتحدة في تشكيل جماعات مسلحة موالية لمصالحها في سوريا كانت ولا تزال محبطة من الواقع على الارض. يعود ذلك لقرار أغلبية  كبيرة من الجماعات المعارضة بقبول التعاون مع واشنطن فقط في حال تمكنها من الحفاظ على استقلالها وقدرتها على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل، وأيضا إذا تضمّن التعاون خطة واضحة لاسقاط نظام الأسد. (14)

خلال شهر تشرين الاول/أكتوبر عام  2015، حتى السيناتور ليندسي غراهام تحدى وزير الدفاع اشتون كارتر ورئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال جوزف دانفورد، على استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا. وتساءل عن امكانية اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد قائلا “إن هذه الاستراتيجية هي في أحسن الأحوال فاسدة.” (15)

وفي الأيام الأخيرة، كان الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والمعارضة حائرا فيما إذا كان سيذهب إلى مؤتمر جنيف 3 من أجل المشاركة في “مفاوضات السلام”، فالولايات المتحدة بنظره كانت تتبنى أفكارا إيرانية وروسية غير مقبولة لحل النزاع.

إن تركيا والسعودية وقطر هي الدول الأكثر توقا لرؤية سقوط عائلة الأسد، ولكن دون سقوط النظام ومؤسساته. أرادت ممالك الخليج والشبكات الخاصة داخلها تحويل هذه الثورة الشعبية الى حرب أهلية طائفية، لأنها كانت تخاف من سوريا ديمقراطية، وتخشى من انتشار الثورة في المنطقة التي من شأنها أن تهدد مصالحها ونفوذها. وللتذكير، كانت تربط السعودية وقطر علاقات جيدة مع نظام الأسد قبل الانتفاضة عام 2011. فقد دعموا، سياسيا واقتصاديا، الحركات الأصولية الاسلامية مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الاسلام وغيرها من الجماعات الشبيهة التي تتبع ايديولوجية طائفية ورجعية معارضة تماما لروح الثورة. هذه المجموعات حاولت أيضا إضعاف دور المجالس المحلية، أحيانا عن طريق وسائل عنيفة. كما أنها روجت لخطاب الديني الطائفي عبر وسائل الاعلام العديدة الخاصة بها.

إن تحوّل الثورة في طبيعتها إلى حرب طائفية من شأنه أيضا أن يمكّن هذه الممالك من ترويع شعوبها على النحو التالي: كل التغيرات الحاصلة في المنطقة قابلة لأن تؤدي إلى حرب طائفية، وبالتالي يجب علينا تشجيع استمرارية الوضع الراهن، وبكلمات أخرى، الحفاظ على هذه القوى الديكتاتورية.

المقاومة الشعبية لا تزال ملحوظة حتى اليوم، بالرغم من كونها الجانب الأكثر تجاهلا من الانتفاضة في سوريا كما توحي معظم التحليلات. من أهم ما حصل خلال الانتفاضات كان التنظيم الذاتي الضخم، ذلك لأنها أدت إلى اختفاء سلطة النظام في بعض المناطق. من الصحيح أن هذا الوضع قد تغير بشكل كبير مع العسكرة القصوى للانتفاضة ومع سياق حرب لا يسمح بمظاهرات حاشدة أو بالمقاومة الشعبية كما في بداية الانتفاضة وحتى عام 2013، في حين أن الجماعات الأصولية الاسلامية أصبحت على نحو متزايد مسيطرة على المجال العسكري في بعض المناطق. يدل ذلك على أن الأفراد والمجموعات الصغيرة بالرغم من الإضعاف الكبير التي تتعرض له، إلا أنها لا تزال موجودة في بعض المناطق في وسط مجموعات التنسيق المحلية الشعبية. ويوجد في سوريا كتلٌ من الامل والمقاومة الشعبية، وهي تتكون من العديد من الجماعات والحركات الديمقراطية والتقدمية المعارضة لجميع أطراف الثورة المضادة ونظام الاسد والجماعات الأصولية الاسلامية. هم الذين ما زالوا يحافظون على أحلام الثورة وأهدافها عند بدايتها: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة واللاطائفية.

الثوار في هذه المناطق ما زالوا يتنظّمون عبر اللجان المحلية على مستوى القرى والأحياء والأقاليم. واللجان الشعبية [والتنسيقيات] كانت في الواقع المحرك الأول للحركة الذي عبأ الناس للاحتجاجات ولتنظيم الحياة اليومية في المناطق التي انسحب منها النظام. تحررت المناطق من النظام التنظيم وطورت أشكالا من التنظيم الجماهيري. وأقيمت تحالفات للشباب وأشكال أخرى من التحالفات في سوريا حيث تقيم أنواع مختلفة من الانشطة.

رامي جراح، وهو ناشط صحفي سوري في وكالة أنا برس (وهي منصة للأخبار مفتوحة المصدر تم تأسيسها خلال الانتفاضة، تمارس أعمالها في تركيا وسوريا) والذي كان مؤخرا في حلب يقدم تقريرا صحفيا من داخل المناطق المحررة التي تتعرض كل يوم للاعتداءات من الطائرات الروسية إلى جانب الطائرات التابعة لنظام الاسد، وصف كيف أن المؤسسات الشعبية المدنية “تلعب دورا قويا في حكم المجتمع. بسبب عدم وجود حكومة واحدة في السلطة، تقوم الأندية التي يديرها متطوعون محليون بمشاريع تنموية مختلفة في جميع أنحاء حلب.” (16) وأضاف أن “ما نراه هنا هو أن الديمقراطية ممارسة في الأصل،” في حين “أن المجموعات المسلحة كان لديها سلطة أكبر منذ سنة، وهي الآن اقل. المواطنون بدأوا بالسيطرة ويكون لهم صوتا.” (17) وعلى الرغم من تفاوت قساوة الوضع في سوريا، لا يزال العديد من المجموعات الشعبية والناشطين يناضلون من أجل الأهداف الأولية للسيرورة الثورية (الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة واللاطائفية). ولا ينبغي أن يتم تجاهلها.

دعونا الآن نستعرض الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي المقدّم من قبل حلفاء نظام الأسد. إن الأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات في جمهورية إيران الاسلامية قدمت الدعم والمشورة للنظام السوري منذ بداية الانتفاضة. وقد تطور هذا الدعم في مهمة التدريب السريع، وذلك باستخدام الحرس الثوري الإيراني وعبر القوات البرية ولواء القدس وأجهزة المخابرات وأجهزة حفظ النظام. وقد زوّدت إيران الأسد بالذخائر العسكرية الأساسية، كما دعمت الميليشيات الموالية للنظام. (18) وبالإضافة الى الدعم العسكري، قدمت إيران 3 قروض مهمة لنظام الأسد، وهي على التوالي، بليون دولار في كانون الثاني/يناير عام 2013، و3.6 بليون دولار في آب/أغسطس عام 2013، وبليون دولار في حزيران/يونيو عام 2013. ونمت التجارة بين البلدين من 300 مليون دولار تقريبا عام 2010 إلى بليون دولار عام 2013. (19)

ومن جانبها، زودت روسيا قوات الأسد المسلحة بالغالبية الساحقة من أسلحتها. واستمرت روسيا في شحن كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخائر وقطع الغيار والأعتدة المجددة للقوات الموالية للنظام. في كانون الثاني/يناير عام 2014، زادت روسيا من امداداتها من العتاد العسكري للنظام السوري، من ضمنها المركبات المدرعة والطائرات التي تعمل من دون طيار والقنابل الموجّهة. (20)

في نهاية صيف عام 2015، وسّعت روسيا مشاركتها العسكرية إلى جانب نظام الأسد بشكل كبير، بما في ذلك التدريب الجديّ والدعم اللوجستي للجيش السوري. (21) وفي 17 أيلول/سبتمبر عام 2015، بدأ جيش النظام باستخدام أنواع جديدة من الأسلحة الجوية والبرية المقدمة من روسيا، في حين أظهرت صور الاقمار الاصطناعية، التي التقطت في منتصف شهر أيلول/سبتمبر، القوات الروسية وهي تطور مرفقين عسكريين إضافيين قرب اللاذقية. (22) وفي 30 أيلول/سبتمبر، وصل الروسيون إلى مرحلة جديدة تمثلت ببداية التدخل العسكري المباشر لانقاذ نظام الأسد. نصّ تقرير نشره مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، (23) على أنه منذ بداية تدخل الجيش الروسي في 30 أيلول/سبتمبر وحتى 15 تشرين الثاني/نوفمبر، 80% إلى 90% من هجماته لم تستهدف المناطق المسيطر عليها من داعش، في حين قتل أكثر من 520 مدنيا في الغارات الجوية الروسية. أكثر من 100،000 مدنيا أجبروا على الفرار من مناطقهم بسبب القصف الروسي. أدى القصف الروسي إلى تدمير العشرات من المستشفيات، كما قتل أطباء ومرضى في هذه الغارات.

كان يمكن لموسكو أن تستهدف جهاديين أكثر بعد الهجمات في باريس ولكنها ما زالت تقصف بكثافة المناطق الخالية من سيطرة داعش، وإنما تسيطر على أغلبها القوى الأصولية الاسلامية، وجماعات الجيش السوري الحر، والمدنيون. على سبيل المثال، قام الطيران العسكري الروسي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بتدمير مركز للمساعدات في محافظة ادلب، والذي كان يتضمن مخبزا ينتج 300،000 رطلا من الخبز شهريا، ويؤمن مياه نقية للشرب لـ 50،000 شخص حسب التقديرات. (24) وكان العديد من الأحياء الشعبية في حلب وإدلب وأريافهما أهدافا للقصف الروسي. (25)

ركز تقرير منظمة العفو الدولية، الذي نشر في 23 كانون الأول/ديسمبر عام 2015، على الهجمات الستة التي جرت في حمص وإدلب وحلب بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، حيث قتل فيها 200 مدنيا على الأقل وحوالي 12 مقاتلا. (26) في 20 كانون الثاني/يناير 2016،  أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الغارات الجوية الروسية، والتي بدأت منذ 30 أيلول/سبتمبر 2015، قد أسفرت عن مقتل 1015 مدنيا، من ضمنهم أكثر من 200 طفل.

لننتقل الآن إلى أهداف هذه الغارات الجوية، والتي هي واضحة: حفظ ودعم القوة العسكرية والسياسية لنظام الاسد. في الواقع قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 28 أيلول/سبتمبر، قبل بداية الغارات الجوية الروسية: “ما من وسيلة أخرى لتسوية النزاع السوري غير تعزيز شرعية الحكومة الحالية، وتقديم الدعم لها في معركتها ضد الارهاب.” وبكلمات أخرى، سحق جميع أشكال المعارضة لنظام الأسد، سواء كانت ديمقراطية أو رجعية، في ظلّ ما يسمى بـ”الحرب على الارهاب.”

وكان حزب الله اللبناني أيضا الجهة الخارجية الرئيسية الداعمة عسكريا لنظام الأسد. اتخذ الدور العسكري  لحزب الله أشكالا مختلفة تتراوح بين إصدار مقاتلي حزب الله المخضرمين الأوامر- آخذين دور ضباط الصفوف- إلى القوات السورية النظامية الأقل خبرة التي تقاتل في شوارع حمص. (27) كما قاموا بتدريب بعض الميليشيات الموالية للنظام المعروفة بـ”اللجان الشعبية”، (28) وبعض مجنّدي الجيش الجدد. (29) ويقدّر عدد مقاتلي حزب الله في سوريا بين الـ3000 والـ5000، من ضمنهم مقاتلي النخبة والخبراء وجنود الاحتياط، الذين يداومون داخل البلاد لمدة ثلاثين يوما. (30) وتقاتل ميليشيات شيعية عراقية أيضا في سوريا لدعم نظام الأسد.

انها في الواقع حرب شاملة شنّت، ليس من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ولا ضد نظام الأسد… ولكن ضد الشعب السوري.

الكاتب/ة: جوزف ضاهر. 
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ خلود ابراهيم

* نشر المقال باللغة الانكليزية في موقع peacenews بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2016

الهوامش:

1 Syria: From authoritarian upgrading to revolution, 98-99

2 ibid 24

3 “Syrian Arab Republic, Third National MDGs Progress Report 2010”, http://www.undp.org/content/dam/und…

4 FIDA, “République arabe syrienne, programme d’options stratégiques pour le pays”, December 2009, http://www.ifad.org/gbdocs/eb/98/f/…

5 FIDA, “République arabe syrienne, programme d’options stratégiques pour le pays”, December 2009, http://www.ifad.org/gbdocs/eb/98/f/…

6 Khatib Line, Islamic Revivalism in Syria, The rise and fall of Ba’thist secularism,2011, 119

http://www.cnsnews.com/news/article/syrian-president-assad-regarded-refo…

http://www.wsj.com/articles/u-s-pursued-secret-contacts-with-assad-regim…

http://www.wsj.com/articles/covert-cia-mission-to-arm-syrian-rebels-goes…

10 http://www.reuters.com/article/us-syria-crisis-usa-missiles-idUSBREA1H0Y…

11 https://www.fas.org/sgp/crs/natsec/R43727.pdf

12 http://www.theguardian.com/us-news/2015/sep/16/us-military-syrian-isis-f…

13 http://uk.businessinsider.com/division-30-syrian-rebel-chief-of-staff-qu…

14 See https://syriafreedomforever.wordpress.com/2014/09/30/syria-an-analysis-o…

15 http://www.c-span.org/video/?c4557020/senator-lindsey-graham-us-strategy…

16 http://www.huffingtonpost.com/yasmin-nouh/syria-journalist-video_b_88211…

17 http://www.orient-news.net/en/news_show/96904/0/A-look-inside-of-Aleppo-…

18 http://www.understandingwar.org/sites/default/files/IranianStrategyinSyr…

19 http://carnegieendowment.org/sada/2015/06/02/iran-s-stakes-in-syria-s-ec…

20 https://www.stratfor.com/analysis/will-russia-intervene-syria

21 http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/europe/russia/11845635/Vladimi…

22 http://www.reuters.com/article/2015/09/22/us-mideast-crisis-russia-bases…

23 http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/1447972413#.VlLxZiTA1sv

24 http://syriadirect.org/news/50000-people-without-access-to-drinking-wate…

25 https://syriafreedomforever.wordpress.com/2015/12/20/???-????-???-?????-…https://syriafreedomforever.wordpress.com/2015/12/10/???-????-??-????-??…https://syriafreedomforever.wordpress.com/2015/12/03/rami-jarrahs-report…https://syriafreedomforever.wordpress.com/2015/11/29/massacre-by-russian…

26 https://www.amnesty.org/en/latest/news/2015/12/syria-russias-shameful-fa…

27 https://www.ctc.usma.edu/posts/the-battle-for-qusayr-how-the-syrian-regi…

28 http://www.reuters.com/article/2013/09/26/us-syria-hezbollah-special-rep…

29 http://www.lorientlejour.com/article/863267/en-syrie-le-hezbollah-a-acqu…

30 http://www.understandingwar.org/sites/default/files/Hezbollah_Sullivan_F…

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s